Monday, July 13, 2015


Let the Sun shine

Let the sun shine again
Sing your favorite song
And forget the agonies of pain
Enjoy the magical touch of snow
As it colors meadows of the plain
Recite poetry and forget yesterday
No need to eulogize years lost in vain

Let us stay at home for a day
Listening to the music of the rain
Awaken the flowers in the wilderness
And inspire the spirit and the brain
Hug, kiss, sing, dance and play
Children feeling free to be insane

Don’t worry about missing a date
Trains come and go, and come again  
Dream of places you love
So the spirit of love is alive again
Let us travel wherever love takes us
Even the sunflower defies the rain

Let the wintry sun shine again
Sail gracefully through the clouds
Smiling with eyes or a brain
Bewitch birds to sing ancient melodies
Enchant the sane and the insane
So the joy of living is alive again

Songs awaken the spirit of belonging
Take us along the memory lane
Where memories live in peace
And love knows no fear or shame
Dreaming of a monarch butterfly
As the sun shines again, and again

                                Mohamed Rabie       www.yazour.com

Sunday, July 12, 2015

الدِّين والثقافة
قام الدين، لا سيما قبل نشوء الدولة، وأثناء فترات ضعفها وفقدان الثقة بها، بدور القانون المدني، ما جعله يسهم في تنظيم بعض أوجه الحياة في المجتمع، ويساعد على الحدّ من الفقر والجريمة والظلم والانحراف. ولما كانت أغلب الديانات تميل بطبيعتها وبحكم نشأتها إلى الادّعاء بأنها تقوم على حقائق أزلية لا تتغير، وأن الحقائقَ المعنية من صُنع آلهةٍ عظيمة ذات قُدسية، فإن القيم والمعتقدات الدينية والأفكار المنبثقة عنها أصبحت جوهرَ الثقافة، والخزانة التي تحوي في داخلها الحقيقة الأزلية، علما بأنها حقيقة لا تقوم على علم او تجربة عملية. ولمّا كانت الحقائق الإلهية ثابتة كما تدعي الديانات، فإنّ كل الثقافات ذات الجوهر الديني أصبحت ضعيفةَ القدرة على التطور والتجاوب مع ما يستجد من أمور حياتية، وهذا جعَل العلم والعقل يَدوران في فلك تفسيراتٍ دينية ومعتقدات غيبية غير قابلة للتجربة العملية، ومنزهة بحكم أصولِها الإلهية، عن التحليل النقدي الخاضع لمنطق العقل والعلم.
قامت الديانات في تفسيرها لأسرار الكون والحياة بدعوة الإنسان إلى التأمل في الحياة وليس إلى التفكير الواعي في معطيات الحياة، إلى تخيل أسرار الكون وليس إلى التجربة العملية والبحث العلمي لاكتشاف قوانين الكون، إلى الخوف من الخطأ وليس إلى التعلم من الخطأ، وإلى الاستسلام لِما بعد الحياة والعقل وليس إلى التمتع بالحياة والاعتماد أساساً على العقل. وفي غَمْرة الاندفاع نحو الدين، تم خلط بعض المعتقدات الدينية والخرافات والأساطير الشعبية والحقائق العلمية بعضها ببعض، لا سيما وأن الكثير من الأساطير والخرافات كانت سائدة قبل ظهور الديانات. نتيجة لذلك، أصبح من الصعب، وأحياناً من المحظور، قيام العلم بالبحث عن الحقيقة خارج أطر الأساطير الشعبية والمفاهيم الغيبية التي تبنتها وروَّجت لها أغلبية الديانات القديمة وما انبثق عنها من أفكار، ما جعل المعرفة الدينية والمعرفة العلمية تسيران في اتجاهين متباعدين غلب عليهما طابع التناقض، وليس التوافق.

ومع تجذر المعتقد الديني في المجتمع، وقيام الفكر الديني بدور العنصر المنظم للثقافة الشعبية في عصر الزراعة، أصبح من الصعب على المجتمع الزراعي أن يشهد حدوثَ تطور ثقافي أو علمي أو اجتماعي يقوم على الحيادية بعيداً عن العقائدية. كما أن هيمنة الفكر الديني الغـيبي على المجتمع الزراعي التقليدي تسببت في تعطيل جهود العلماء والمفكرين والفلاسفة والمُبدعين، وتضييق هامش الحرية في المجتمع، وبالتالي الحيلولة دون قيام هؤلاء بطرح أفكار خلّاقة تقوم على المنطق، وتتحدى العقل الغيبي. كما أصبحَ من المتعذر على العُلماء أيضاً الغوص في أعماق بحار معرفيةٍ قد تقودهم إلى اكتشاف أسرار كونية أو حقائق حياتية تـتناقض مع مقولات دينية ومفاهيم خرافية راسخة في الوجدان الشعبي. وقد ترتب على ذلك تعثر مسيرة المعرفة العلمية في كل المجتمعات الدينية المحافظة، وتباطؤُ عملية التطور التكنولوجي والاقتصادي المؤسَّس على العلم والتجربة، وكبْت الحريات العامة، وجمود الثقافة إلى حد بعيد. ولهذا عاش المجتمع الزراعي في ظل هيمنة الفكر الديني على الثقافة والحياة نحو عشرة آلاف سنة من دون تطور يُذكر. وفي الواقع، لا توجد أقليةٌ دينية متزمتة في أي مكان من العالم، سواء كانت الأقلية المعنية يهودية أو مسيحية أو مسلمة أو بُوذية أو هندوسية تتمتع بمستوى معيشي مرتفع، أو تقدم علمي مرموق، أو لديها القُدرة على التفاعل مع العالم المحيط بها بطريقةٍ عقلانية.
 

Tuesday, December 10, 2013

الهوية والهوية القومية

الهوية والهوية القومية

تعتقد أغلبية الناس والمعنيين بقضية الهوية من المثقفين أن الهوية الجماعية هي جزء من الثقافة الشعبية، وأن مصيرها مرتبط بمصير الثقافة، ما يستدعي الحفاظ على الثقافة التقليدية بغض النظر عما تعانيه من تخلف وتشرذم. لكن هذا الاعتقاد خاطئ لأن هناك شعوباً عديدة ذات ثقافات متشابهة لكنها ذات هويات جماعية مختلفة وأحيانا متناقضة.
هناك ثلاثة مصادر رئيسية لكل هوية جماعية: أولاً، الشعور بالانتماء إلى عقيدة واحدة أو وطن أو شعب واحد. ثانياً، الاعتزاز بشخصيات عامة تشكل رموزاً للجماعة بسبب مواقفها وفكرها وتاريخها الذي قامت من خلاله بتجسييد مصلحة العقيدة أو الوطن أو الشعب المعني. وثالثاً، الشعور بوحدة من ينتمي إلى العقيدة أو الوطن أو الشعب المعني من الناحية الثقافية والموقف من الآخر، خاصة فيما يتعلق بالإرث الحضاري والشعور تجاه المستقبل. وهذا يعني أن الهوية الجماعية لا تعني الإنتماء إلى أصل أو جنس أو عرق، بل ترتكز على وحدة الثقافة وحب الوطن والشعور بأن التحديات المستقبلية واحدة والمصير مشترك.
يعود أصل كلمة "قومية" إلى تأسيس الدولة الحديثة في أوروبا إبان عصر النهضة، حيث أطلق عليها اسم Nation State، أي الدولة القومية، علماً بأن معظم الدول القومية الأوروبية كان فيها وما يزال أقليات ثقافية ودينية ولغوية عدة. وهذا يعني أن كلمة "قومية" ليست لها دلالة عرقية أو إثنية، بل دلالة جماعية تشمل المواطنين الذين أصبحوا، بحكم تواجدهم معاً في وطن واحد وانتمائهم إليه، يشكلون شعباً واحداً، وذلك كما هو الحال في أمريكا التي تتكون من عشرات الجماعات ذات الأصول والثقافات المختلفة.
جاءت حركة القومية العربية أساساً كرد فعل على ممارسات الاستعمار الغربي وقيامه بتقسيم الوطن العربي إلى دول ومشيخات تسيطر عليها قيادات ذات أهداف متناقضة لا تصب في المصلحة الجماعية للعرب. ولما كانت الأقليات التي تعيش في الوطن العربي وتنتمي إليه قد سبق وجود معظمها فيه وصول العرب إليه، وأن أغلبيتها تؤمن بالإسلام، فإن كل أبناء هذه المنطقة اعتبروا الإسلام والمسيحية وغيرها من ديانات أجزاء أساسية من مكونات الثقافة العربية والهوية القومية. لكن تدخل القوى الاستعمارية في الشؤون العربية، وقيامها بالعمل على تمزيق الوحدة الثقافية والوجدانية للعرب بهدف السيطرة عليهم واستغلال مواردهم من ناحية، ونجاح الغرب في تأطير قوى الإسلام السياسي وتوظيفها في حربهم ضد القوى الماركسية في أفغانستان من ناحية ثانية أدى إلى إضعاف الهوية القومية العربية. ومع توجه قوى الإسلام السياسي إلى المطالبة بعودة دولة الخلافة الإسلامية، فإن تلك القوى تحولت إلى قوى مناوئة للقوى العلمانية العربية التي نادت بوحدة قومية عربية ورفض الاستعمار.
من جهة أخرى، تسبب فشل الدولة العربية عامة في تحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والحرية لكافة المواطين، ولجوئها أحياناً إلى التفرقة ضد بعضهم في دفع بعض الأقليات، وحتى القبائل والعشائر التي تشكل أهم مكونات الأمة العربية، إلى البحث عن هويات فرعية تقوم على الإثنية والدين والطائفية والعشائرية والثقافة. وهكذا تم تفتيت الشعب الواحد إلى أقليات وأغلبيات يغلب عليها طابع التنافر وليس التآلف، وتسعى إلى التجزئة والانفصال وليس إلى الوحدة والتكامل، ما أدى إلى تخلف العرب وضعفهم ودخول الهوية القومية في أزمة طاحنة.
في آخر محاضرة ألقيتها في المغرب في شهر أكتوبر 2013، قلت للطلبة إن من يؤمن من البشر بفكرة الخلق التي تقول بها معظم الأديان، وكذلك من يؤمن بفكرة التطور التي جاء بها داروين يعلم تماماً أن أصل كافة البشر واحد. إذ فيما تقول المعتقدات الدينية أن آدم وحوا هما أب وأم البشر جميعا، تقول نطرية التطور أن جميع البشر هم من نسل حيوانات تشبه القردة عاشت في القارة الإفريقية. لكن تعرض غالبية سكان إفريقيا لحرارة الشمس بشكل شبه متواصل أدى إلى تحول بشرتهم عبر ملايين السنين إلى السواد، فيما أدى احتجاب الشمس غالباً عن أماكن مثل شمال أوروبا إلى تحول بشرة السكان هناك إلى اللون الأبيض. أما من عاش في مناطق تتصف باعتدال حرارة الشمس وتتابع فصول السنة الأربعة مثل سكان حوض البحر الأبيض المتوسط، فإن بشرتهم تحولت إلى لون قمحي يقع بين الأسود والأبيض. وهذا يعني أنه ليس هناك أقليات وأكثريات عرقية أو إثنية، بل هناك تعدد بشري ثقافي ولغوي يكون في مجموعه سكان الكرة الأرضية التي تضمنا جميعا وتشكل إنسانيتنا.
محمد ربيع


Wednesday, December 4, 2013

العرب والحقيقة

العرب والحقيقة
هناك من الناس من يقول الحقيقة، وهناك من يعمل على تشويه الحقيقة، وهناك من يختلق أشياء يدعي بأنها تجسد الحقيقة. لكن الحقيقة هي في كل هذا وذاك، وليست في هذا أو ذاك، لأنه لا توجد حقيقة مطلقة تجمع عليها كافة الشعوب أو حتى أغلبية العلماء والمفكرين. وفي الواقع، لا يوجد إنسان في العالم بإمكانه معرفة الحقيقة، لأننا لا نعرف تماما ماذا نعني حين نتكلم عن "الحقيقة". مع ذلك، تدعي معظم الديانات السماوية وغير السماوية أنها تملك الحقيقة دون سواها من فلسفات وعقائد، ما يجعلها تسهم بوعي ومن دون وعي في صنع حقيقة قد لا تمت إلى الحقيقة التي تعنينا بصلة.
إن على الإنسان الذي يسعى إلى معرفة الحقيقة أن يقوم بمراجعة تجربة الحياة الماضوية، الفردية والجماعية، وتقييم ما لها وما عليها بحياد وموضوعية. وهذا يفرض عليه أن ينظر إلى الخلف وأن يقوم بدراسة التاريخ والغوص في أعماقه والعبث في مياهه. لكن كي يعيش الإنسان حياته ويتعرف على ما فيها من حقائق ومعطيات، عليه أن ينظر إلى الأمام كي يستطلع آفاق المستقبل، ويستشف ما يحمل بين طياته من احتمالات ومفاجآت سارة وغير سارة.
إن تركيز العرب على التاريخ، والنظر إلى التراث من منظور إيديولوجي يدعي ملكية الحقيقة جعلهم عاجزين عن مراجعة تجربة الحياة الماضوية وتقييم ما لها وما عليها. كما أن إنشغال العرب في قضايا التراث الفكرية والعقائدية جعلهم عاجزين عن العيش تجربة إنسانية عادية كغيرهم من شعوب العالم. ولما كان التاريخ العربي قد صنعته الحروب والصراعات الإثنية والطائفية والقبلية أكثر من أي شيء آخر، فإن المؤرخين العرب قاموا بتزييف ذلك التاريخ، ما جعل العرب يبتعدون عن الحقيقة كثيرا، ويقفون عاجزين عن فهم الحاضر والمستقبل على السواء. وهذا جعل العرب غير راضين عن الحاضر، وعاجزين عن فهم المستقبل، وغير واثقين من أنفسهم ومن أن بإمكانهم الإسهام في صنع المستقبل ومواجهة ما يحمله بين طياته من تحديات. لهذا يعيش العرب اليوم في دوامة من الصراع مع الذات، غير قادرين على تحقيق الحد الأدنى من الوحدة الفكرية أو الثقافية أو السياسية أو الأمنية، تابعين لغيرهم من دول معادية تعمل جاهدة على تكريس فرقتهم وتخلفهم وضياعهم وتجزئة بلادهم واستغلال مواردهم.

محمد ربيع

Friday, October 11, 2013

ذكريات تأبى النسيان: مقتطفات من كتاب الشتاب: اغتيال الطفولة

اغتيال الطفولة
بعد صدور قرار التقسيم في الثاني من نوفمبر 1947 أخذت العصابات اليهودية تكثف هجماتها على المدن والقرى الفلسطينية بهدف إرهاب العرب ودفعهم على الرحيل من مدنهم وقراهم. كما اتجهت أيضا إلى الاعتداء على القوات البريطانية بهدف تسريع عملية رحيلها عن فلسطين. إذ مع قيام بريطانيا باتخاذ قرار بالرحيل، إلا أن قواتها انسحبت على مراحل من أجل الحيلولة دون وقوع مجازر ضد العرب تتحمل بريطانيا مسئوليتها الأخلاقية أمام العالم، ومن أجل تسليم المناطق التي خصصها قرار التقسيم لليهود سلمياً بقدر الإمكان. أما الحركة الصهيونية فكانت تخشى وصول الجيوش العربية للدفاع عن فلسطين ما قد يتسبب في حرمانها من تحقيق أهدافها المرسومة وزيادة خسائرها في الأموال والأرواح. 
 قبل نهاية عام 1947 كانت يازور قد أصبحت هدفاً رئيسياً لهجمات العصابات اليهودية، إذ أصبح العدوان يتكرر بشكل يومي تقريياً. وفي أوائل شهر ديسمبر من ذلك العام شنت تلك العصابات هجوماً واسعاً على أحد مقاهي القرية تسبب في وقوع عدة ضحايا بين قتيل وجريح. ولكن لم تمضِ أيام قليلة حتى انتقمت يازور لأبنائها بقتل سبعة جنود من اليهود كانوا قد دأبوا على استفزاز القرية وإدخال الرعب إلى قلوب أطفالها، حيث كانوا يقومون باختراق القرية في رابعة النهار في سيارة مدججة بالسلاح كل بضعة أيام وإطلاق النار بكثافة في كل اتجاه. ففي يوم 22 ديسمبر 1947، قام بعض شباب يازور، يساعدهم شاب ألماني متعاطف، بإعداد عبوة ناسفة وضعوها على جانب الطريق الدولي، وذلك استعداداً لمرور سيارة الجنود اليهود. وحين مرت السيارة بالقرب من العبوة الناسفة، سارع الشباب إلى تفجيرها عن بعد باستخدام سلك ربطوه في بطارية سيارة عادية ومرروه تحت الأرض. وحال وقوع الانفجار، اشتعلت النيران في سيارة الحراس وسقطوا جميعاً على الأرض بين قتيل وجريج هرب بعضهم إلى داخل البيارة المجاورة. وما أن دخلوا البيارة حتى استقبلهم بعض شباب القرية بالسلاح حيث قاموا بملاحقتهم وقتلهم جميعاً ودفنهم.
في أعقاب تلك الحادثة، أصدر "إيغال يادين" قائد عمليات "الهاجاناه" أمراً إلى إيغال ألون قائد وحدة "البالماخ" بمعاقبة يازور بقسوة... كانت البالماخ عصابة إرهابية خاصة تعمل ضمن إطار قوات الهاجاناه. ومما جاء في ذلك الأمر: "عليك القيام بأسرع وقت ممكن بعملية ضد يازور، بهدف إزعاج القرية فترة طويلة، عن طريق القيام بعمليات تسلل إلى داخلها وإحراق عدد من المنازل". بعد ساعتين من الأوامر، قامت مجموعة تابعة لـعصابة البالماخ بشن هجوم على سيارة باص بالقرب من مدخل يازور الشرقي تسبب في جرح السائق وعدد من الركاب، وقامت مجموعة أخرى بالاعتداء على حافلة على مدخل يازور الغربي من جهة يافا. استمرت هجمات العصابات اليهودية على القرية وعلى السيارات العربية المتجهة منها وإليها عشرين يوماً وليلة على التوالي دون توقف، قامت المعتدون خلالها بتفجير العبوات الناسفة بالقرب من عديد المنازل في أطراف القرية، تسببت في هروب غالبية سكانها واللجوء إلى البلدة القديمة.
وفي يوم 22/ 1/1948، بعد مرور شهر كامل على مقتل الجنود السبعة، قامت قوات الهاجاناه بعملية واسعة ضد يازور، اشتملت على نسف مصنع الثلج والكحول وبنايتين مجاورتين لهما، ومهاجمة بعض البيوت الواقعة في أطراف البلدة. أسندت قيادة الهاجاناه مهمة التخطيط لإسحاق رابين، ضابط عمليات التخطيط العسكري وشارك في تنفيذ العملية أكثر من مجموعة إرهابية. تقرر البدء في الهجوم مع بزوغ فجر ذلك اليوم الشتوي الممطر بانطلاق القوات الغازية عبر بيارات البرتقال من الشمال والغرب والجنوب، حيث قامت بنسف مصنعي الثلج والكحول الواقعين في طرف القرية على حدود يافا، ومهاجمة بعض المنازل المجاورة وتدميرها، ما حول تلك العملية إلى مجزرة أسفر عنها قتل عدة أشخاص من بينهم حراس المصنعين. وفي تلك الليلة بالذات، وضمن حملة إرهاب يازور وسكانها، نجح الإرهاب اليهودي في تهجير عشرات العائلات من سكان البيارات الواقعة على أطراف البلدة، كانت أسرتنا واحدة منها، حيث قام المجرمون باغتيال طفولتنا، ووأد أحلامنا، ومصادرة أملاكنا ومهد ذكرياتنا، وإجبارنا على مغادرة بيتنا وبيارتنا والافتراق عنهما إلى الأبد.فيما كنا نغط في نوم عميق في بيتنا الوديع الذي تحتضنه أشجار البرتقال من كل جانب، صحونا على صوت انفجار مخيف، ورأينا ناراً يتصاعد لهيبها من بيت أحد أقربائنا يقع على بعد 500 متر تقريباً من بيتنا. وفي ضوء الاعتداءات اليهودية المتواصلة ظن والدي أن من الممكن أن يكون بيتنا مُستهدفا أيضاً، وأن العصابات الإرهابية ربما كانت في طريقها إلينا. لذا سارع إلى لف كل واحد من أبنائه وبناته باللحاف الذي كان يغطيه، والمصنوع من الصوف المبطن بقماش قطن ناصع البياض، وركض به نحو البيارة. وهناك رمى الطفل في الوحل تحت شجرة برتقال تبعد عشرات الأمتار عن البيت، وتركه وحيداً يرتعد من الخوف والبرد وتساقط الأمطار. كان الجو في تلك الليلة ممطراً وكان المطر غزيراً جداً، وكان البرد قارصاً والليل حالك السواد، ربما كانت تلك الليلة أسوأ ليلة في تاريخ الإنسانية بالنسبة لطفل بلا ملابس دافئة، وبلا حذاء، وبلا غطاء، وبلا قدرة على رؤية أي شيء، وبلا مكان يهرب إليه أو يحتمي به، وبلا شعور إنساني سوى رهبة مرعبة وخوف مميت. وفي الواقع، لم تحتفظ مخيلتي بليلة أكثر سواداً وأغزر مطراً وأشد برودة وأكثر خوفاً من تلك الليلة. وحتى يضمن الوالد نجاة بعض أولاده وبناته من الموت في حالة تعرضهم لقنبلة أو نيران رشاشات، قام بوضع كل واحد منهم تحت شجرة تبعد عدة أمتار عن أقرب شجرة يرقد تحتها طفل آخر. وبعد أن أكمل مهمته، بدأ والوالدة يتنقلان من شجرة لأخرى، يربتان على رؤوسنا، يتمتمان بالدعوات لنا، ويًتْلون بعض آيات القرآن كأنهم يقرؤونها على رأس ميت، ويقبلوننا قبلة ظنوا أنها ربما كانت قبلة الوداع الأخيرة. كنت ارتجف من البرد والخوف والعتمة حتى كاد قلبي يتوقف عن النبض، ويغفو غفوته الأخيرة من دون أن يكون باستطاعتي أن أبكي أو أنطق بكلمة واحدة، حتى التنفس حاولت أن أكتمه كي لا يسمع الإرهابيون همساته الضعيفة. كان سواد الليل وعنفوان المطر وصوت الأشجار تهزها الرياح تتراءى لي كأشباح مخيفة جاءت لتحملني إلى الجحيم، وتلقي بجثتي في نار جهنم.مضت ساعة من الوقت تقريباً دون أن نسمع صوت انفجار أو إطلاق نار، كانت بعمر الزمن وقسوة تاريخ الظلم. نهض بعدها والدي، جمعنا بعيداً عن البيت بعشرات الأمتار، وأخبرنا بأنه قرر الذهاب إلى بيت أولاد عمه في البلدة القديمة. سرنا ممسكين بأيدي بعضنا البعض، نرتعد من الخوف والبرد، حفاة شبه عراة، يقرص البرد أقدامنا ووجوهنا، ويثقل الطين والمطر ومستنقعات الوحل خطواتنا، وتلون العتمة عيوننا التي ظننا أنها فقدت قدرتها على الرؤية. لم يجرؤ الوالد على العودة إلى بيته الذي بناه بيديه وقضى سنين من عمره في تزيينه وزراعة الورود من حوله، وذلك خوفاً من  ان يكون الإرهابيون قد اقتحموه وجلسوا فيه في انتظار عودتنا كي يقتلونا بعد أن اغتالوا الحلم في رؤوسنا والطمأنينة في قلوبنا والأمل في عيوننا. لم نحمل شيئاً من ملابسنا أو ممتلكاتنا الشخصية بالطبع، حتى الألحفة التي كانت تغطي أجسادنا تركناها خلفنا، لأنها كانت مثقلة بالوحل والطين بحيث لم يكن بالإمكان حملها، ولم يعد بإمكانها وقايتنا من البرد. وهكذا تسببت أحداث تلك الليلة في قطع علاقتنا ببيتنا وبيارتنا وكل ما كان في البيت من أشياء ووثائق ومجوهرات ومال، لكنها تركت لنا حب الوطن وذكريات تأبى النسيان.


Wednesday, October 9, 2013

غرباء

غرباء

احملْ ظنونك وارحلْ اليوم عني
لم تكنْ يوماً أنت مني
حَيرتَ عقلي
عَذبتَ قلبي
عذبتَ روحي
أثخنتْ حُبي بالجراح
وكدتَ أن تسرقَ العمرَ مني

لم أرَ الفرحَ في عينيك يوماً
لم أرَ الحزن في عينيك يوماً
لم أستشعرَ الحبَ في قلبك يوماً
لم أعرف الحلم بجوارك يوماً
جحيمٌ أنت لا يعرفُ غير التجني
احملْ جُنونك وارحلْ اليوم عني
لم أكنْ أنا منكَ يوماً
ولم تكنْ يوماً أنتَ مني
محمد ربيع


Sunday, September 29, 2013

بين الإرادة والتبعية


بين الإرادة والتبعية
ينمو العقل الإنساني ويتطور من خلال التفاعل مع مكونات البيئة التي يعيش الإنسان فيها وينشط من خلالها، وهي بيئة تشمل عناصر طبيعية واجتماعية وأخرى تكنولوجية. إذ يجد كل إنسان نفسه كل ساعة تقريباً أمام خيارات متعددة تجبره على القيام بدراسة كل منها وتقييم أهميتها، وتحليل أبعادها وتبعاتها المحتملة على حياته ومستقبله وما يسعى إلى تحقيقه من أهداف. وفي ضوء ما يتوصل إليه من نتائج، يختار الإنسان الأنسب أو الأفضل أو الأقل خسارة أو تكلفة من الخيارات المتاحة. وحين يخطئ الإنسان في الاختيار، يتعلم من أخطائه، إذ يقوم العقل بتعديل طريقة دراسته وتقييمه للخيارات المتاحة، ما يُضعف احتمالات الخطأ ويقوي احتمالات النجاح في المستقبل. ومع تتابع التجارب الإنسانية وتجدد التحديات الحياتية، تتراكم المعارف لدى الإنسان، ويصبح بإمكانه الحكم على بعض الخيارات بسهولة وبسرعة، وذلك بسبب تكررها أو تشابهها مع غيرها من حالات سابقة... وهكذا يتطور العقل من خلال الصواب والخطأ والتدرب على التفكير ومواجهة التحديات.
لكن حين تتم برمجة العقل على اتباع أسلوب واحد للتعامل مع كل شيء تقريباً بناء على نصوص واضحة وما ينبثق عنها من أوامر ونواهي، فإن العقل لا يتعلم ولا يتطور بالقدر المطلوب لمواجهة معضلات حياته المتغيرة والمتزايدة بشكل يومي، خاصة إذا كانت النصوص المعنية مقدسة. وهذا من شأنه أن يجعل الإنسان المعني مجرد أداة طيعة في يد الغير، لا يعرف معنى الحرية أو الاستقلال، ولا يرتاح لشيء سوى التبعية لأسياد لا يحترمون عقله ولا إنسانيته. وفي ظل تربية كهذه ينمو الفرد في المجتمع انقيادياً اتكالياً مسلوب الإرادة، يقبل مرارة العيش دون شكوى ويستأنس البطش والظلم دون تساءل، لا يفهم معنى الحرية ولا يقوى على نقد نظام حياته، ولا يملك القدرة على التفكير الواعي في معطيات تلك الحياة وكيفية التعامل معها بواقعية وعقلانية.