Tuesday, August 27, 2013

ذكريات تأبى النسيان: مقطتفات من الجزء الأول: الشتات: عودة إلى يازور


عودة إلى "يازور" Yazour

تقع قرية يازور التي تحاذي مدينة يافا ولا تبعد عن بحرها الساحر سوى خمسة كيلومترات تقريباً على الطريق الدولي الذي يربط يافا بالقدس مروراً بمدينة الرملة، أما عدد سكان يازور فقد بلغ 4675 نسمة في عام 1948. وهناك، في يازور، كانت محطتي الأولى، حيث ولدت وتشكلت براعم طفولتي التي أُقتلعتْ من جذورها بعنف قبل أن تُزهر... أُقتلعت حين قامت العصابات الإرهابية اليهودية بمصادرتها بوحشية. لقد جاءت تلك العصابات إلى بيتنا في أقسى ليالي الشتاء برداً، وأكثرها سواداً، وأغزرها مطراً لتسرق طفولتي مني قبل قدوم الربيع وحلول موسم الإزهار. وحين صادرت طفولتي، حكمت تلك العصابات الإجرامية على ذكرياتي بالنفي بعيداً عن الأنظار في إحدى زوايا الوجدان، حيث تركتها تغرق في بحر من الآلام والأحزان والضياع. لكن العقل الباطن كان قد احتفظ بصورة حية لتلك الذكريات، وحين أيقظته الصدمة من سباته بعد مرور عشرين عاماً في غابات جاتلنبرج، أطلعني على ما كان لديه من كنوز، وسمح لي بإعادة اكتشافها ومعايشتها والتمعن في معانيها وعبرها. لقد تسببت عملية الغزو الصهيوني، ومن حيث لا أدري، في طمس تجربة يازور، وقامت بكبت حبي لها ولبساتين البرتقال وزهر البرتقال وشجيرات التين والجوافة التي كنت أتسلقها وأتسابق مع العصافير على قطف ثمارها الناضجة... تلك العصافير التي عشقتها عشقاً جماً وغدا عشقي لها وشوقي لرؤيتها ثانية حقاً يأبى النسيان، وتجربة لا تُمحى من الذاكرة أو الوجدان. ومع سرقة طفولتي ومصادرة ذكرياتي جاء الهروب من البيت في عتمة الليل وتحت ظلال دخان قنابل قاتلة وهطول أمطار غزيرة وعواصف مرعبة حرمتنا من رؤية الطريق. كان الهروب من البيت قد جاء ضمن حملة التطهير العرقي التي شنتها العصابات اليهودية في أعقاب صدور قرار التقسيم في عام 1947، ما تسبب في فُقداننا كل شيء مادي جمعه والدي في حياته، وكل حجر بناه بيديه وعرق جبينه، وكل شتلة خضار وشجرة مثمرة ووردة رعاها بقلبه ومنحها جزءاً من روحه، وكل ثوب طرزته والدي على ضوء القمر. 

كانت يازور عبارة عن حديقة كثيفة من أشجار البرتقال والليمون وغيرها من حمضيات وفواكه، وكان المارة في شوارعها وبين بساتينها يشمون عبير الليمون ويغمرهم أريجه، ويرافقهم حيث ساروا... غرباً على الطريق إلى يافا، أو شرقاً على الطريق إلى قرية بيت دجن ومنها إلى قرية وادي حنين جنوباً، أو شرقاً إلى قرية صرفند وصولاً إلى مدينتي الرملة واللد، أو شمالاً إلى قرية سلمه ومنها إلى قرى ساكيه والخيرية وكفر عانة والعباسية . وفي بدايات الربيع من كل عام، كان الحنون الأحمر يغمر روابي يازور وتغزوها الفراشات العاشقة للزهر ورحيقه من كل أرجاء الدنيا. كانت الفراشات الملونة تسافر عمراً بأكمله عبر المحيطات والجبال والسهول والوديان لتستمتع بزهو الحنون ولون العشق يُلون وجناته، وترشف رحيقه الذي يُطيل عمر كل فراشة تطأ أرض يازور وترتوي من مياهها العذبة. 

يازور هي إحدى مئات القرى الفلسطينية التي قام الصهاينة بتدميرها وإزالة آثار سكانها العرب الذين عاشوا فيها عصوراً بلا حصر. وفي يازور قام الصهاينة بهدم معظم البيوت وحولوا البلدة القديمة إلى قرية صغيرة لا يزيد عدد سكانها على بضعة مئات، تشبه إلى حد بعيد ضيعة لبنانية معلقة على سفح جبل. وكما أن بيوت وبساتين يازور لم تنج من عبث المستعمر اليهودي، فإن الآثار التاريخية لم تنج هي الآخرى، فقد حولوا بقايا القلعة الرومانية التي كانت تسمى "البوبرية" وما حولها من مبان قديمة إلى منتزه جميل وهادئ، وحولوا الجامع ذا القباب السبعة الذي كان يسمى "مقام الإمام علي" إلى معبد يهودي. وحين سمحت لي الظروف بزيارة يازور عام 1996، أي بعد 48 سنة من الغياب والنفي والاغتراب، رأيت امرأة عجوز تجلس على كرسي خشبي بالقرب من القلعة وبيدها كتاب، وتحت أقدامها تحفة فنية رائعة من النقوش... قطعة من بقايا أرضية بيت جميل تعود ملكيته لأحد أقاربنا، الشيخ أحمد حامد أبو ناموس. أما يازور الحديثة وما كان فيها من بساتين كثيرة وأشجار مثمرة وأزهار متنوعة، وعصافير تهوى التغريد، وآبار ارتوازية لا تتوقف عن ضخ المياه، وبرك سباحة وبيوت ريفية جميلة فقد تحولت بفعل المستعمرين إلى بقايا مكان يجسد جمال الطبيعة... تحولت إلى مدينة صناعية ملحقة بمستوطنة حولون التي تعتبر أكبر التجمعات الصناعية في الدولة العبرية المُغتَصِبة. 

تشير الخرائط القديمة والآثار القائمة إلى أن يازور قديمة قدم التاريخ، فقد جاء ذكرها في حوليات الملك الآشوري سنحريب في أوائل القرن الثامن قبل الميلاد، وأن اسمها في حينه كان أزورو. وفي القرية عدة أماكن أثرية ذات أهمية تاريخية، حيث أُكتشف فيها قبران يعودان إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد. ولقد تم فتح يازور على يد القائد العربي عمرو بن العاص أثناء فترة الفتوحات الإسلامية. ويُعتبر جامع القرية الذي تعلوه سبعة قباب من أهم الآثار التاريخية في يازور، وهناك اتفاق حول تاريخ هذا الجامع الذي أقيم في عصر المماليك في القرن السابع عشر على أنقاض كنيسة قديمة أقامها الصليبيون، ولقد قام اليهود بتحويل ذلك المكان إلى معبد يهودي بعد توقيع اتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993. كان "مقام الإمام علي" لا يُستعمل مكاناً للصلاة والعبادة فقط، بل وأيضاً مركزاً لتجمع الأهالي وإقامة الاحتفالات والأعراس، إضافة إلى كونه مدرسة لتدريس الأطفال وتحفيظ القرآن. أما بواقي القلعة الرومانية فيعود تاريخها إلى القرون الوسطى، إذ أقامها الصليبيون للملك ريتشارد قلب الأسد الذي قضى وقتاً طويلاً في منطقة يازور/ يافا، حيث كانت القرية مسرحاً لمعارك دامية دارت رحاها بين المسلمين والصليبيين في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ومسرحاً لأحداث سياسية مهمة كان من أهمها المفاوضات التي دارت بين ريتشارد قلب الأسد قائد قوات الصليبيين في حينه، وصلاح الدين الأيوبي قائد جيوش المسلمين. 

ينقسم سكان يازور إلى أربع عائلات كبيرة، أو "حمايل"، ويبدو أن القرويين في فلسطين اختاروا تعبير "الحامولة" بدلا من "العشيرة" الذي تستخدمه القبائل العربية في الأردن والعراق وبلاد الشام وغيرها. أما تلك الحمايل فهي: البطانجه، والعميريه، والمصاروه، والحوامده التي انتمي إليها، إلا أن والدتي تنتمي إلى حامولة العميريه، وزوج خالتي ينتمي إلى حامولة المصاروه، وزوجة الجد إسماعيل تنتمي إلى حامولة البطانجه. ويختلف أهل يازور والمؤرخون والمهتمون بالأنساب حول أصول تلك الحمايل. فهناك من يدعي بأن أصول جميع أهل البلدة تعود إلى الجزيرة العربية واليمن، وهناك آخرون يدعون بأن الشعب الفلسطيني ينتمي لأصول تعود إلى الكنعانيين واليونانيين والفرس والرومان الذين سكنوا أو حكموا تلك البلاد قديماً. كما يظن آخرون أن معظم الشعب الفلسطيني يعود بجذوره إلى القبائل العربية التي جاءت مع الفتوحات الإسلامية، وإلى الصليبيين الذين استولوا على تلك البلاد في العصور الوسطى، وإلى الأكراد الذين جاؤوا مع صلاح الدين الأيوبي لمحاربة المستعمرين إبان الحروب الصليبية، وإلى المصريين والأتراك والبريطانيين وغيرهم ممن قدموا لفلسطين أو حكموها حديثاً. كما يرى آخرون أن حمولة المصاروه بالذات تعود في أصولها للعسكر الذين جاؤوا ضمن حملة إبراهيم باشا لضم بلاد الشام، أي فلسطين وسورية ولبنان والأردن، إلى مصر إبان الحكم العثماني. ولكن، ومهما قيل في هذا الموضوع، فإن من المؤكد أن بعض الفلسطينيين يعودون في أصولهم أيضاً إلى القبائل الإسرائيلية القديمة الذين سكنت مناطق من فلسطين في عهد التوراة والإنجيل، وإلى الأشوريين والكنعانيين الذين سبقوهم وكانوا أول من استوطن أرض فلسطين وعمرها. 

ومهما كان من أمر هذا التعدد في الرأي، فإن الشيء الثابت والوحيد هو أن جذور غالبية أهل يازور تعود إلى أقدم الحقب التاريخية، إذ تشير بعض الخرائط القديمة إلى أن يازور تبلورت كمستوطنة زراعية مع بدايات عصر الزراعة قبل حوالي عشرة آلاف سنة، وتطورت مع الأيام لتغدو محطة على الطريق إلى البحر. ولقد تعرضت يازور كغيرها من قرى ومدن وبلاد للغزو من قبل قبائل وجيوش أجنبية قامت بسبي نسائها وأطفالها وقتل الكثير من رجالها، وهذا جعل فلسطين تخضع خلال حقب التاريخ المتتابعة لحكم أكثر من إمبراطورية قديمة ودولة استعمارية غازية، ما فرض على سكانها التواصل مع الآخر والتفاعل مع شعوب وثقافات غريبة عن ثقافتهم وتاريخهم. كما وأن التفاعل مع الآخر من خلال عمليات الغزو والتجارة والتبشير الديني قاد إلى زاوج الكثير من الرجال والنساء من غرباء، ما أدى إلى اختلاط الدماء والأجناس، حتى أصبح الكل جزءاً لا يتجزأ من مجتمع واحد، لا يمكن فصل أعضائه عن بعضهم البعض. لذا لا يمكن، ولا يجوز التهرب من الاعتراف بأن الشعب الفلسطيني، كغيره من شعوب الأرض، هو خليط من شعوب وأجناس عديدة، عربية وغير عربية، من بينها الكنعانيين والأشوريين والإسرائيليين والفراعنة واليونان والفرس والرومان والعرب والمغول والأكراد والأتراك والسودانيين، والمغاربة الأمازيع، والأفارقة السود، والمستعمرين الفرنسيين والبريطانيين وغيرهم. 

اتجه أهل يازور في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين إلى زراعة الحمضيات وتربية الأبقار الهولندية على نطاق واسع، وذلك لارتفاع العوائد المادية من الحمضيات ومنتجات الألبان عموماً. وهذا دفعهم إلى التوسع في حفر الآبار الارتوازية التي بلغ عددها 140 بئرا في عام 1945، حيث كان لكل بئر مضخة تعمل على الديزل وتُشغل في العادة مرة كل أسبوع. كانت تلك الآبار المصدر الرئيسي لمياه الشرب وري المزروعات في القرية، وكانت ماكينات الضخ تضخ المياه في برك كبيرة نسبياً، جدرانها من الأسمنت المسلح، استخدمها الأهالي لري المزروعات والشرب والسباحة على السواء. وهذا شجع الكثيرين من أهل البلدة على ترك بيوتهم القديمة في وسط القرية والرحيل منها إلى بساتينهم التي كانوا يسمونها "بيارات"، وإقامة مساكن ريفية حديثة فيها، ينافسون العصافير في التمتع بها والعيش في ظلالها وعلى خيراتها. نتيجة لذلك أصبحت البلدة تنقسم إلى قسمين: يازور القديمة التي تعتز بآثارها وتاريخها العريق ونكهتها العتيقة ودورها التقليدي كمركز تجاري وخدماتي وترفيهي، ويازور الحديثة التي تزهو بأشجارها وأزهارها وعبيرها وطيورها وبيوتها ومسابحها ومياهها العذبة. ولقد أدى التوسع في زراعة الحمضيات وتربية الأبقار إلى زيادة الدخل وتنويع مصادره بالنسبة لمعظم العائلات، وتسبب في رفع معدلات استهلاك السكان عامة من الحليب والألبان والأجبان والزبدة. وحيث أن أهالي يازور كانوا من ملاك الأراضي الزراعية، أو من أصحاب بساتين البرتقال والحمضيات، فإنهم كانوا جميعاً من الميسورين، وإن كان ذلك بدرجات متفاوته، ولم يعرفوا خلال تاريخهم الطويل في قريتهم ووطنهم الجوع أو الفقر


، إذ لم يكن في يازور عائلة واحدة لا تملك بيتاً أو أرضاً زراعية، كما لم يكن من بين أهلها إقطاعي واحد


مقتصفات من كتاب "التدمير الذاتي العربي: مراجعة تاريخية سريعة

مراجعة تاريخية سريعة



كان التحرر من الاستعمار الغربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية بداية دخول العالم العربي بقياداته الفكرية والثقافية والسياسية خضم عملية التطور العالمي بكافة أبعادها الحضارية. وعلى مدى عقدين من الزمن عاشت الشعوب العربية فترة انتعاش نفسية وثقافية شهدت ميلاد فكرة الحرية الفردية، وتراجع العشائرية، والتطلع بعين الأمل نحو تحقيق وحدة عربية وعدالة اجتماعية، ومناجاة فلسفات القومية والماركسية والديمقراطية. لكن تدخل الاستعمار إلى جانب نظم الكبت السياسي والتيارات الثقافية المناوئة لفكرة الوحدة العربية، وتزايد خطر الكيان الصهيوني على الوجود العربي أدى إلى توقف المد القومي التحرري. إذ أن التقاء القوى المعادية لتطلعات الشعوب العربية داخل الوطن العربي وخارجه حول أهداف مشتركة دفع تلك القوى إلى التضامن وملاحقة النخب العربية التي نادت بالوحدة والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتقدم العلمي والاقتصادي واضطهادها. وقبل أن ينقضي عقد الستينيات من القرن العشرين، تذوق العرب مرارة الهزيمة ثانية على يد إسرائيل، ما أدى إلى سقوط الشعارات التقدمية ودخول العرب مرحلة من الاحباط والانحطاط والاستكانة. ولقد نتج عن ذلك عودة القيم التقليدية التي عفا عليها الزمن إلى الهيمنة على الشارع العربي، واستبدال أقنعة التخلف القديمة المهترئة بأقنعة تبعية مزركشة صُنعت في بريطانيا وأمريكا وفرنسا وغيرها من دول معادية. 


تبلورت حركة القومية العربية بزخمها الحقيقي بين أوائل الخمسينيات ومنتصف الستينيات من القرن العشرين. وفيما كان التيار القومي يعمل بنشاط ويقدم التضحيات، كان لديه قناعة بحتمية قيام وحدة سياسية تضم كافة الأقطار العربية، إلا أن هزيمة العرب أمام إسرائيل عام 1967 قضت على تلك التخيلات والآمال الجميلة. لقد أدت تلك الحرب، بين أشياء أخرى، إلى هزيمة الفكرة القومية، وفكرة العدالة الاجتماعية، والعمل الحزبي المنظم، والتوجه نحو القبول بالهزيمة والاستكانة بدلاً من التوجه نحو مواجهة التحديات المصيرية. لذلك لم يعد هناك وجود لأحزاب سياسية قومية، ولا إرادة لتحقيق وحدة سياسية، ولا حتى وحدة موقف بين الدول العربية، كما لم يعد هناك وجود لنظم تقدمية، إذ تحولت كل نظم الحكم العربية إلى نظم إقليمية فاشلة ومستبدة. في ضوء تلك التطورات، تحولت أغلبية القيادات القومية إلى قيادات "وطنية" أو دينية، ارتبطت بنظم حكم قاصرة وتيارات دينية كانت وما تزال عبئاً على نفسها وشعوبها وعلى الوطن العربي بأكمله. 

تبع هزيمة 1967 حصول ردة ثقافة واسعة في الوطن العربي أسهمت في بلورة حركة إسلامية متطرفة جاءت على شكل تيار ثقافي محافظ استولى على زمام المبادرة وأعلن استعداده لقيادة الجماهير العربية نحو "النصر". ولقد قام ذلك التيار بتكفير أفكار الاشتراكية والديمقراطية والعلمانية، وطرح الإسلام بديلاً للفكرة القومية التي كانت تشكل تهديداً حقيقياً لنفوذ القوى الاستعمارية ومصالحها في البلاد العربية. ولما كانت أهداف الحركة الإسلامية تتلاقى مع أهداف دول الغرب الاستعمارية فيما يتعلق بفكرتي الوحدة العربية والاشتراكية والديمقراطية، فإن تلك الدول قامت بتكثيف دعمها للتيار الإسلامي وتشجيعه على التحول إلى حركات سياسية في مواجهة بقايا الحركات القومية والتيارات اللبرالية. وفي أعقاب وقوع الثورة الإيرانية عام 1979، وقيام الاتحاد السوفييتي باحتلال أفغانستان في نفس العام، حصل توافق بين موقف أمريكا وغيرها من دول الغرب الاستعمارية على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفييتي، ما دفع تلك القوى إلى التعاون مع الإسلام السياسي بشكل مباشر كما حدث في أفغانستان، وبشكل غير مباشر كما حدث في فلسطين ومصر وتونس، ويحدث اليوم في سورية. وتشير الكثير من الدراسات والوثائق إلى أن أجهزة الاستخبارات الغربية قامت منذ خمسينيات القرن العشرين بتأسيس علاقات مع قادة الحركات الإسلامية، خاصة الإخوان المسلمين، مكنتها من تحويل بعضهم من دون وعي إلى عملاء يعملون في خدمتها وخدمة قوى الرأسمالية العالمية. وبسبب حساسية هذا الكلام، سوف نخصص لها جزءاً خاصاً ضمن الفصل الذي يناقش "الحركات الإسلامية والعصر"، نتحدث فيه بشيء من التفصيل عن علاقة الإخوان المسلمين بالغرب كما جاءت في كتابات محللين ومؤرخين أمريكيين وأوروبيين. 

كان من نتائج مشاركة العرب في حرب أفغانستان شيوع فكرة الجهاد، واتجاه قطاع كبير من الشعوب العربية نحو التزمت والانغلاق الفكري والتفرقة ضد غيرهم من الناس على أساس الدين. وفي ضوء سيادة الجهل المرتبط بتقاليد وخرافات قديمة، والسماح لكل من هب ودب بالإفتاء في أمور الدين والحياة، اكتسب التطرف الديني شرعية اجتماعية ثقافية، ما جعل التحرر والانفتاح يبدو كأنه خروج على الدين والتقاليد والتراث. ومن أجل تكريس هذه الحالة الشاذة، قامت بعض الدول النفطية والعديد من أثرياء النفط بتوظيف جزء من أموالهم لتشجيع التطرف الديني عن قناعة أحياناً، وعن جهل أحياناً أخرى. نتيجة لذلك شاع الفكر التكفيري، وأصبحت مواقف نفي الآخر وإقصائه واجب ديني وأخلاقي، كما أصبحت إثارة النعرات الطائفية والمذهبية سياسة غربية إسرائيلية لتجزئة الشعوب العربية وضمان الهيمنة عليها. وفي ظل هذه الظروف، فقدت التعددية الثقافية شرعيتها، وتم تزييف الوعي العربي بوجه عام، ما تسبب في تخلف العقل العربي وجمود الحراك الاجتماعي والثقافي الذي بدا واعداً في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. 

من ناحية أخرى، جاءت المشاركة العربية في حرب أفغانستان خدمة للمصالح الأمريكية لتجعل العمالة لأمريكا خدمة للإسلام والمسلمين وجهاداً في سبيل الله والدين، كما جعلت قتل من تختلف معه في الرأي، حتى وإن كان مُسلماً، قضية جهادية. نتيجة لذلك أصبح الجهل والتعصب الديني والتخ الفكري والفساد والانحراف الأخلاقي صفات تميز العرب عن بقية شعوب العالم في عصر المعرفة والعلم والتعدد الثقافي والعولمة. وفي الواقع، إذا قمنا بتحليل إنجازات العرب الحضارية منذ الثورة النفطية حتى اليوم، آخذين في الاعتبار الفرص التي أضاعها العرب والأموال التي بددوها والموارد البشرية التي قاموا بكبتها وتهجيرها إلى خارج الوطن العربي، فإن العرب ربما كانوا أكثر الأمم فشلاً في تاريخ البشرية المعاصر

Saturday, August 24, 2013

ذكريات تأبى النسيان: مقتطفات من الجزء الأول، الشتات

نَبْض الحياة
عشت حياتي منذ الصغر كرحلة شوق بلا نهاية، حملتني إلى أماكن بعيدة ودول عديدة وشعوب مختلفة الثقافات واللغات والقضايا والتركات الحضارية والتطلعات المستقبلية... أمم وشعوب تعيش في ظل أوضاع سياسية وثقافية واجتماعية متباينة، وظروف اقتصادية ومستويات حياتية متفاوتة.. أقمت طالباً وأستاذاً جامعياً وباحثاً في بلاد عديدة وأماكن جميلة، وشاركت في صنع أحداث مثيرة أدخلتني في تجارب فرح ومرح وحزن وسعادة ومعاناة وعذاب وألم لا يطاق أحياناً. كانت هناك تجارب عشتها تحت ضغوط قاسية، وأخرى عشتها في ظل وعود زاهية زائفة، وتجارب مع مذاق متعة لا مثيل لها، ونشوة ألم على طريق شفاء يستأنس طعم الألم. كانت حياتي وما تزال حكاية ولادة وموت وتجدد وأمل وخيبة أمل متواصلة... أمل في حياة مستقبلية حيث يولد الأمل وينمو الحب ويترعرع على ضفاف الخيال، ويُبحر الشوق في بحر هائج بلا ربان، ويتجذر العشق في ثنايا الروح بلا وعي، ويتجدد الفكر ويعيد صياغة نفسه بلا انقطاع، ويختزن الضمير ما يحلو له من تلك المشاعر والتجارب بشغف طفل يتعلم المشي لأول مرة. وكي أعيش حياتي كما يجب أن تكون عليه الحياة، واستمتع برحلتها إلى أقصى حدود المتعة الممكنة، كان علي أن أتمرد على الكثير من الأعراف العائلية، التقاليد المجتمعية السائدة، والأفكار العقائدية الجامدة، ونظم الحكم السياسية المستبدة، والنعرات العنصرية، والقيم الاجتماعية المكبلة للفكر والعقل والحرية.
عشت بداية حياتي ككل طفل يعيش حياته دون أن يفكر في مستقبله، لكن العقل، وكما اكتشفت لاحقاً، يختزن كل شيء ويُعيد استحضاره حين تتوفر ظروف معينة، وهذا ما حدث بالنسبة لي، إذ أعاد العقل الباطن استحضار تجربة سنوات طويلة تحت ضغوط هزيمة عام 1967، وما فرضته أحداث تلك الهزيمة وتبعاتها من مراجعة. إذ فيما كنت أتجول وحيداً في جبال جاتلنبيرج وغاباتها الكثيفة في ولاية تينيسي الأمريكية، أتأمل عظمة الطبيعة واستمتع بروعة حُسنها وشُموخها ورونق أزهارها، وأصغي لهمس الشجر وشدو العصافير، وأتابع غروب الشمس بشوق، شعرت بأن شيئاً ما يتغير في داخلي... شعرت بأن هناك شيئاً غريباً يُولد بهدوء في أعماق ذاتي. كان قراري في أعقاب الهزيمة بعدم التحدث مع أي عربي لمدة أسبوعين على الأقل على ما يبدو هو الصدمة الساكتة التي أيقظت الوعي من سباته العميق، وأعادتني إلى حالة من الوعي لم أختبرها من قبل... صدمة فجرت ينابيع المعرفة الكامنة في أعماقي ودفعتها إلى التدفق بغزارة والصعود إلى الرأس، تاركة خلفها ذاكرة مُشبعة بذكريات تأبى النسيان.
جاء قراري بعدم التحدث مع أي عربي لمدة أسبوعين تحت إلحاح الرغبة في التعرف على الأسباب الحقيقية للهزيمة بعيداً عن محاولات التبرير التي يُجيدها العرب عامة، ومن أجل البحث عن وسيلة للخروج من الأزمة بعيداً عن غوغائية العقائدية ولوم الآخر. لقد حملتني تلك الصدمة إلى الماضي البعيد لأتذكر ما فات من حكاية عمري وأحداث طفولتي، وأشاهد فصول تلك الحكاية تعود في صورة خيالات وأحلام يقظة تعيد تشكيل ما وقع في الماضي من أحداث كشيء حي. شاهدت ذكريات الطفولة والصبا والشباب تعود باكية مبتسمة عاتبة، تمر أمامي شريطاً سينمائياً تراه عيني كأطياف غروب على وجه شمس تستعد للهروب في حضن بحر هادئ، وزهر برتقال وليمون يعطر هواء "يازور" ويغمر البيت من كل جانب، ورائحة زعتر بري يكسو سفوح الجبال المجاورة لمدينة رام الله، وكروم عنب وتين قرية جفنه وخربة أبو قش وعلى مقربة منها وقد حان قطافها، وخيام لاجئين يعانون البؤس والفقر والظلم تغطي أرضاً صحراوية قاحلة على مشارف مدينة أريحا، وعواصف رملية تداعب خيام البؤس والحرمان بقسوة وشراسة تدمي العيون وتحرق الشجيرات الصغيرة المتناثرة هنا وهناك، وأنوار صاخبة تُغرق شوارع القاهرة وتسرق البصر من المارة وتحجب الرؤية عن الأنظار، وأحلام لا تحدها أحلام يعيشها الناس في ألمانيا وأمريكا... تذكرت أشياء أخرى غريبة، صغيرة وكبيرة، قال لي والدي فيما بعد أن بعضها وقع قبل أن أكمل الثالثة من العمر.
كانت تلك التجربة حدثا مهما في حياتي جعلني أدرك أن العقل الباطن لا يختلف كثيراً عن جهاز كمبيوتر يختزن في داخله كل ما يسجل صاحبه على شاشته الصغيرة من ذكريات وأحداث، لكنه يُخزنها على شكل صور وخيالات لا تخضع لنظام محدد، إذ يبدو أن العقل يضع ملفاته في أمكنة مختلفة لا تحمل أرقاماً ولا عناوين ولا تواريخ، ما يجعل عملية البحث عنها وإعادة تصفحها صعبة، وأحياناً مُضنية تحتاج لوقت طويل. في بعض الأحيان، نحاول أن نتذكر اسم شخص أو عنوان كتاب أو مكان دون فائدة، لكن، وبينما نغط في نومنا، نستيقظ فجأة على همس داخلي يُذكرنا بما كنا نبحث عنه... ذلك هو دور العقل الباطن، الاحتفاظ بكل معلومة هامة ومساعدتنا على استعادتها عند الحاجة. إن هيمنة العقل الإنساني على نشاطاتنا اليومية وقراراتنا يجعل من الصعب علينا إيقاظ العقل الباطن من سباته، إلا حين يغفو العقل الظاهر، أو حين نمنحه إجازة كي يرتاح مؤقتاً ويتنازل راضياً عن دوره في حياتنا اليومية. إن عقل الإنسان يعمل طوال ساعات النهار دون توقف، ما يقوده إلى إغراق صاحبه في دوامة من القضايا والمعارك الآنية المُتعبة ذات الصلة بأمور الحياة اليومية. وحيث أننا لا نستطيع أن نعيش وندير أمور حياتنا ونستمتع بها من دون التعامل مع المشاغل والفرص التي تُواجهنا، ومن دون خوض ما قد يترتب على ذلك من معارك، فإن العقل الظاهر يهيمن عادة على حياتنا ويعزل العقل الباطن عن مسرح الأحداث، يتركه يراقب ويُقيّم ويُدون عن بعد.
لذلك كان على الإنسان الذي يود أن يرى ما في داخله، وأن يستعيد ذكريات يظن أنها دُفنت تحت ركام الأيام والأحزان والأحداث المتلاحقة، عليه أن يعطي عقله الظاهر إجازة قصيرة، يستغلها في التواصل الواعي مع عقله الباطن... ضميره الذي لا ينام، ولا ينسى شيئا مهما، ولا يُفوِّت فرصة من دون تسجيل ما هو مؤثر من أحداث وأحاديث ومشاعر. ومنذ ذلك اليوم، وعدتُ نفسي أن أحكي حكاية عمري لها بين الفينة والأخرى، وأن أتذكر وأسجل واستعرض ما استطعت من أحداثها ومحطاتها العديدة المهمة، وهي محطات تكاثرت بسرعة فائقة لم أكن أتوقعها، ومن النادر جداً، إن لم يكن من شبه المستحيل، أن يعيشها إنسان واحد في غضون عمر واحد مهما طال ذلك العمر. وكي لا أنسى، واظبت على سرد تفاصيل الحكاية لنفسي أثناء السفر في الطائرة والتجوال في الغابات، وأثناء خلودي للراحة في فراشي بعد يوم عمل مضن، وإضافة ما استجد من أحداث مهمة إلى مخزون الذاكرة، والخلوة مع ذاتي بين الحين والآخر كي تبقى الذكريات حية في الوجدان، تستنشق هواء الحرية وتجدد ذاتها بذاتها.

والآن، بعد رحلة عمر طويلة أخذت تقترب من خط النهاية، رأيت أن من واجبي أن أسطر رحلة حياتي وتجربة عمري على الورق لتكون في متناول الناس جميعا... في متناول يد كل من يحب القراءة، وكل من يهوى المعرفة، وكل من يريد أن يعايش بعض أحداث الماضي في فلسطين والأردن ومصر والكويت ولبنان وألمانيا وأمريكا والمغرب وغيرها من بلاد العالم. تجربة تصف مشاعر من يتشوق للقيام بمغامرة جديدة في ربوع غابة كثيفة تسكنها الغزلان وتعطرها أزهار برية... مشاعر من يعشق الحب وحب الطبيعة... قمر لمن يحلم بقضاء ليلة مثيرة على صدر عشيقة فاتنة، ومنارة تضيء الطريق لمن يبحث عن حياة جديدة مُنتجة وفكر خلاق مُختلف... من يبحث عن أمل يعيد له الثقة بالنفس وبالحياة وبقدرة الإنسان على صنع مستقبله بنفسه. حكايتي طويلة بطول سنوات التشرد من الوطن، ومرهقة بقدر متاعب البحث عن وطن في غياب الوطن، وصعبة بقدر حجم خيبة الأمل في العثور على وطن بعد عشرات السنين، وعميقة بعمق محنة الشتات ومعاناة الشتات وقسوة عيون الشتات الباهتة، وحزينة بحزن أمل واعد يُذبح في محراب الظلم على مرأى من العالم أجمع في رابعة النهار، ومؤلمة بقدر معاناة حياة لم تتذوق طعم الاستقرار أو الطمأنينة يوما، وساحرة بسحر غروب فوق بحر تعلوه سحابة صيف ضائعة... نعم ضائعة... فكل حكاية عمر هي قصة ضياع مثير... رحلة في المجهول لا نعرف بدايتها ولا نعرف نهايتها، ولا نعرف كيف سيراها الغير ويفهمها، ولا كيف ستحكم عليها الأزمنة والأجيال القادمة.
 

Friday, August 23, 2013

مقتطفات من كتاب "التدمير الذاتي العربي: مدخل إلى استراتيجية الدولة الفاشلة

مدخل إلى استراتيجية الدولة الفاشلة
دخل العرب مع الخروج من الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر واستيلاء العثمانيين بعد سنوات على السلطة في الدولة العربية الإسلامية مرحلة انحطاط تسببت في خروجهم من التاريخ الحضاري للإنسانية. ومع أن اكتشاف النفط في عدة بلاد عربية في أوائل القرن العشرين أشاع قدراً كبيراً من التفاؤل بقرب حدوث نهضة عربية شاملة، إلا أن ظهور النفط في أكثر بقاع العالم العربي تخلفاً تسببت في تخلف العرب نسبيا من النواحي الثقافية والفكرية والعلمية والاقتصادية والتكنولوجية عن أغلبية شعوب العالم. ولقد اتصفت تلك المرحلة، خاصة بعد هزيمة العرب أمام إسرائيل في عام 1967، بالتخبط السياسي والتشتت الفكري، وتراجع ثقافة الإنتاج لحساب ثقافة الاستهلاك، وسيطرة نظم حكم فردية مستبدةً، وشيوع فكر ديني محافظ لا يعترف بحق الآخر في الاختلاف. وفي ضوء تلك التطورات، اتجه عامة الناس ببطء ولكن بثبات نحو التزمّت الديني والإيمان بالخرافات ونظرية المؤامرة التي تغرس الإحباط في النفوس، ما جعل المد الثقافي والتفكير العلمي ينحسر، ويخيم اليأس بدل الأمل، وتنطفئ شعلة النهضة الثقافية والاجتماعية التي أشعلها المثقفون العرب من جيل الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين.
تتصف المجتمعات التي يسودها الجهل كالمجتمعات العربية بالانغلاق الفكري والتعصب الإيديولوجي والميل إلى العزلة عن العالم وذلك لأن الجهلة من الناس، حتى وإن حمل بعضهم شهادات جامعية، ليس بإمكانهم التفكير بوعي واستيعاب ما يدور حولهم من تطورات حياتية وتحولات كونية. وهذا يتسبب عادة في دفع عامة الناس إلى البحث عمن يقودهم ويحرمهم من الحرية ويصادر وإرادتهم ويحولهم إلى تابعين. أما من يدعي الثقافة من أولئك الناس، فإن عدم قدرتهم على فهم تعقيدات الحياة واستيعاب معطياتها يجعلهم يرتمون في أحضان أقرب بيت إيديولوجي دافئ يُصادفهم في الطريق. وفي غياب الحرية والوعي التاريخي والدولة التي تعي أهمية العلم والتعليم والفكر والثقافة والإبداع الفني، لم يجد القاصر العربي سوى الدين يلجأ إليه بيتاً إيديولوجياً يرتمي في أحضانه، يدافع عنه بقوة، ويروج مقولاته بإيمان، غالباً من دون أن يقرأ حرفاً منها أو يفهم شيئاً من جوهرها. 
من ناحية أخرى، اتجهت نظم الحكم العربية عامة نحو تبني سياسات تقوم على كبت المواطنين ووأد روح المبادرة الفردية والقيادة الجماعية، وحرمان الناس من فرص التحرر من التقاليد البالية والهياكل الاجتماعية التي عفا عليها الزمن منذ زمن، ومحاربة الفكر المستنير، وتأسيس نظم حكم فردية فاسدة ومستبدة. ولقد قامت تلك النظم باحتكار السلطة والسيطرة على المؤسسات الاقتصادية والثقافية والإعلامية وتوظيفها للإثراء على حساب الأوطان والشعوب ومستقبل الأمة، كما قامت بتشييد أجهزة القمع والتحكم الرسمية (بوليس، وجيش، وبيروقراطية، ومخابرات، وإعلام) وتوجيهها لإذلال المواطنين والهيمنة عليهم، وهدر أموالهم والتجسس على المثقفين والمفكرين ودعاة الحرية منهم، وتزييف وعي الجماهير بوجه عام وإقناعهم بأن ليس بالإمكان أفضل مما كان. نتيجة لهذه السياسات، تحول الجهل والتخلف المقترن بالفقر والحاجة إلى ثقافة شعبية أساسها القناعة حالت وما تزال تحول دون حدوث تقدم نوعي في أي مجال من مجالات الحياة العربية.
في ضوء تخلف العرب اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً، وضعفهم عسكرياً وتشتتهم سياسياً وفكرياً، وبسبب ما لديهم من ثروات نفطية كبيرة أصبحوا بمثابة فرصة استثمارية نادرة شجعت القوى الاستعمارية القديمة والجديدة على استغلالها. لذلك اتجهت تلك القوى إلى العمل على تكريس تخلف العرب والهيمنة عليهم، والتحكم في مواردهم، وحرمانهم من فرص التقدم والتحرر والوحدة. ولما كانت تكاليف الحروب تتزايد يوماً بعد يوم، فيما كانت احتمالات النصر تتراجع سنة بعد أخرى، فإن القوى الاستعمارية قررت على ما يبدو تبني استراتيجية عسكرية سياسية جديدة تتصف بضئالة تكاليفها المادية والبشرية وارتفاع احتمالات نجاحها. وتقوم الاستراتيجية المعنية على خطط وبرامج تشمل تكتيكات عسكرية واجتماعية وثقافية ونفسية وإعلامية ترمي إلى تحويل كل دولة مُستهدفة إلى "دولة فاشلة" لا تستطيع بسط سيادتها على كامل أراضيها وشعبها، ما يجعلها عاجزة عن تحقيق أي إنجاز يُذكر، وبحاجة دائمة لحماية أجنبية.
تحاول هذه الدراسة تحليل هذه الإستراتيجية الشريرة وطرق تطبيقها وكيفية عملها، وشرح أبعادها وتبعاتها على حياة الشعوب التي تقع فريسة لها، وتقييم مدى ما حققته من نتائج على مختلف الساحات العربية. لكن قبل الدخول في صلب الموضوع، سوف نحاول بسرعة تحليل أسباب الضعف العربي، وحال الأمة العربية، ومدى صلاحية الديمقراطية الغربية للعرب. كما سنقوم بالحديث بشكل مقتضب عن الإسلام ودوره في الحياة العربية، وتحديد طبيعة المرحلة التي يمر بها وتبعاتها المتوقعة على مستقبل الإسلام والأمة العربية ونظرة العالم إلى الإسلام والمسلمين بوجه عام. ونقدم في نهاية الدراسة مشروعاً لنظام ديمقراطي يتجاوب مع حاجات الأمة العربية، آخذين في الاعتبار التطورات الدولية المتتابعة وتيارات التحول المستقبلية المتوقعة.



Thursday, August 22, 2013

الانتماء والنماء

الانتماء جزء من الحياة الاجتماعية لكل فرد، إذ لا تكتمل حياة إنسان ولا يشعر فرد براحة نفسية إلا إذا كان عضواً في مجموعة صغيرة نوعاً ما، يشترك مع بقية أفرادها في أشياء تهمه وتعنيه وترتبط بماضيه أو حاضره أو مستقبله. وفي ضوء صغر الفرد في مقابل المجتمع، فإن كل فرد ينتمي لأكثر من مجموعة من الناس تشكل فيما بينها حلقات متنوعة، بعضها هرمي وبعضها الآخر أفقي، تتقاطع مع بعضها البعض أحياناً، وتتكامل مع بعضها البعض أحياناً أخرى، وتتنافس فيما بينها في كل الحالات والأحيان. وبسبب ذلك، يخضع سلوك الفرد وموقفه من الذات والغير عادة لتيارات ثقافية وفكرية ومصلحية متعددة، يغلب عليها التناقض، ما يستدعي قيام الفرد بالعمل على تطوير حلقات الانتماء التي ينتمي إليها والإسهام في تكاملها، والحرص على تنمية ملكاته العقلية ومواهبه الخلاقة، وتعديل مواقفه للتجاوب مع ظروف الواقع وتحدياته المتزايدة، والعمل الدؤوب على استكمال متطلبات النماء وبناء شخصية ذاتية تتصف بقدر كبير من الاستقلالية الفكرية والحرية الاجتماعية والمثالية.


حين يأتي إنسان إلى الحياة، يحمل معه إرثاً تارخياً وثقافياً واجتماعياً لا يستطيع أن يتخلى عنه أو يُنكره. إذ حين يتخلى إنسان عن إرث تاريخي، يتخلى في واقع الأمر عن جزء أساسي من شخصيته وعلاقاته مع الغير ومحيطه الاجتماعي، أي عن الإطار الاوسع الذي ينتمي إليه وينشط من خلاله. وحيث أن كل إنسان بحاجة للتحرر مما يعيق حركته أو يكبلها من ناحية، وإلى إطار انتماء لاستكمال وجوده الاجتماعي من ناحية ثانية، فإن كل إنسان يجد نفسه يعمل في اتجاهين مختلفين في آن واحد. الأول تحرير الذات وبناء شخصية تتمتع بقدر كبير أو صغير من الاستقلالية، والثاني تطوير إطار الانتماء الأهم ليكون أكثر تجاوباً مع احتياجاته وطموحاته المستقبلة، وذلك دون الخروج على الاطار المجتمعي الأكبر. مع ذلك من الطبيعي أن يقوم إنسان باستبدال إطار الانتماء الأهم بإطار آخر يكون أقدر على التجاوب مع احتايجاته في مرحلة ما من مراحل حياته الاجتماعية أو المهنية. إن التخلي كلياً عن إرث ثقافي واجتماعي يقود في كل الحالات والأحيان إلى التخبط والضياع، وأحياناً إلى الاحباط وخيبة الأمل.
في بعض الحالات والأحيان، يقوم المجتمع بعزل شخص أو أقلية وممارسة التفرقة ضدها ما يتسبب في دفع أعضائها إلى الغضب والعنف والثورة على الواقع. وهذا يعني أن الانتماء ضرورة اجتماعية وحقاً مشروعاً، وان التفرقة ضد الغير جريمة اجتماعية وتنكر لإنسانية الآخر، وحرمان إنسان من حقه في الحياة حياة سوية والتكامل مع محيطه الاجتماعي الأكبر.

د. محمد ربيع     www.yazour.com

Thursday, July 18, 2013

الإيمان والحب

الإيمان والحب


الإيمان وجه خاص من أوجه الحب، من حق كل إنسان أن يغوص في بحاره، وأن يتسلق جباله وأن يتذوق ثماره، حُلوها ومُرها، وأن يتمتع بنسماته بالقدر الذي يُريد. وفي المقابل، لا يحق لإنسان أن يحرم غيره من الناس من الحب، كما لا يجوز أن يفرض إنسان على غيره أن يحبوا ما يُحب، أو يؤمنوا بما يؤمن به. إن قيام إنسان بمحاولة فرض ما يؤمن به أو يحبه على شخص آخر هي محاولة لإرغام الشخص المعني على حب شيء قد لا يتناسب مع طبيعته ولا يلبي طموحاته في الحياة، ما يجعل المحاولة عملية إكراه تستهدف مصادرة حرية الإنسان المعني وتزييف مشاعره واستلاب إرادته. إن الإنسان لا يستطيع أن يعبر عن إيمانه بصدق، وأن يمارس الحب بأمانه إلا إذا تمتع بالحرية كي يختار ما يريد ويفعل ما يريد. إذ في غياب الحرية تُحرم روح الإنسان والإنسانية من التحليق في سماء الحب والغوص في بحور الإيمان، ما يجعل الحب في ظلال الكبت مجرد شهوة، ويجعل الإيمان في ظلال الإكراه حالة نفاق.

إن من يحاول أن يفرض رأيه على غيره من الناس هو إنسان لا يعرف الحرية... إنه إنسان عقائدي أغلق عقله وتنازل عن حريته وعن حقه في التفكير. وفي الواقع، لا تسمح عقيدة لأتباعها بحرية التفكير، لأن التفكير في أية قضية إيمانية أو غير إيمانية يجعل الرأي في القضية المعنية وجهة نظر، لا غير. لذلك يعمل القادة العقائديون على مصادرة حريات أتباعهم وإغلاق عقولهم، لأن التفكير قد يقودهم إلى الشك والاستقلال في الرأي. وكما أن الحب ليس مُلكاً لأحد دون غيره من البشر، فإن العقيدة لا يمكن أن تكون ولا يجوز أن تكون حِكراً على شخص دون غيره من الناس. وكما أن الحب أنواع وأهواء ونزوات، فإن العقيدة هي أيضاً أنواع وأهواء ونزوات، ما يجعل من حق كل إنسان أن يحب ما يشاء وأن يؤمن بما يشاء. 

Monday, June 17, 2013

معنى الحياة

معنى الحياة
الحياة هي الوقت الذي نقضيه مُستمتعين في عمل ما نُحب أن نعمله في الحياة، وما عدا ذلك هو مضيعة للوقت والحياة. الماضي هو اللحظة التي تركناها خلفنا تواً ترقد على فراش الموت بسبب كبر السن وفقدان الذاكرة. الحاضر هو التجربة التي نعيشها خلال تسيير أمور حياتنا اليومية، فيما نواجه تحديات الحياة بصلابة وأمل، محاولين تطويع بعضها، والاستفادة من بعضها الآخر، وإعادة تشكيل ظروف الحياة كي تستجيب لحاجاتنا ورغباتنا. أما المستقبل فهو الحلم الذي نريد أن نراه وقد تحقق في صباح اليوم التالي.
التاريخ هو ما نصنعه من خلال الحب والحسد والكراهية، الفرح والحزن والبكاء، الغناء والرقص والفن، الأمل وخيبات الأمل، البناء والهدم، التعليم والتفكير، الخيال والحلم، القراءة والمعرفة. المعرفة هي الأداة التي يجب أن نحصل عليها من أجل التغلب على أسباب الفشل والفقر والظلم، وغرس بذور النجاح في عقولنا والسعادة في قلوبنا، وتطوير ظروف حياتنا إلى الأفضل. أما التطور فهو المراجعة المستمرة لعاداتنا وتقاليدنا ومواقفنا ومعتقداتنا وطرق تفكيرنا وحكمة الأمس بشكل متواصل، وقبول التحدي الذي يتطلب صنع المستقبل بينما تقوم ظروف الحياة المتغيرة بإعادة تشكيل كل شيء من حولنا. أما الثقافة فهي الشيء الذي يعمق إحساسنا بإنسانيتنا ويمكننا في ممارسة الحب بحرية، ويجعل التعايش فيما بيننا متعة، والعمل سويا لتطوير عالمنا وصنع تاريخنا هدفا مشتركا سامياً.
محمد ربيع
www.yazour.com