Monday, April 20, 2020
Saturday, April 11, 2020
Thursday, April 9, 2020
Tuesday, September 10, 2019
Sunday, November 13, 2016
الفكر العقائدي وازمة العرب
يقوم الإسلام على رؤية واضحة تتكون
من شقين: حياة فاضلة في الحياة الدنيا، وحياة أبدية في جنان الآخرة؛ أما الوصول
إلى الجنة الموعودة فيتم عبر حياة يشكل الايمان والعمل الصالح وأداء الشعائر الدينية
مكوناتها. ولما كان القرآن الكريم قد قال بأنه معجزة كلامية ليس باستطاعة إنسان أن
يأتي بمثله، فإن الكلمة في الفكر العربي أصبحت هي جوهر الثقافة الشعبية وروحها.
نتيجة لذلك أصبح تأثير الكلمة في قناعات الجماهير ومواقفها كبيرا للغاية، مما جعل
من الصعب على الحقائق العلمية أن تتحدى سلطة الكلمة، خاصة كلمة رجال الدين؛ وهذا
جعل الثقافة العربية تغدو ثقافة الكلمة والبلاغة والشعر، وذلك بدلا من أن تكون
ثقافة المنطق والفلسفة والعمل والعقل والعلم.
وفيما كان جوهر الثقافة يترسخ
في الوجدان الشعبي بوصفه كلمات ذات قدسية، جاء الفكر الديني ليقوم بتطوير روح
الدين في سلوكيات وليس في إجراءات عملية ذات بعد إنتاجي أو علمي. إذ على سبيل
المثال، جعل ذلك الفكر شروط دخول الجنة تتكون أساساً من أداء الشعائر الدينية،
والدعاء والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى بهدف الفوز برحمته ورضاه. ولما كانت
أغلبية الشعائر والطقوس والابتهالات لا علاقة لها بالحياة الدنيا، فإن تلك الأمور
أصبحت، بمقياس العلم والاقتصاد والإنتاج، مضيعة للوقت وهدر للحياة. ولقد تسببت طرق
التفكير هذه في صرف نظر العرب عن العمل والإنتاج وعلوم الدنيا، مما أسهم في تخلفهم
عن معظم شعوب العالم في كافة نواحي الحياة، إذ لا يوجد مجتمع عربي واحد أو مؤسسة
عربية واحدة تتميز في مجال من مجالات العلم أو الفكر أو الصناعة أو حتى المنتجات
الثقافية.
من وجهة نظر العقادئ
المتدين، تتحكم في الحياة ومصائر البشر حتميات دينيةإليهة؛ أما من وجهة نظر
العقائدي القومي والماركسي، فإن الحتميات التاريخية هي التي تتحكم في الحياة
ومصائر البشر. وهذا جعل كل عقائدي يميل إلى الاستسلام والعدوانية والابتعاد عن
التفكير في آن واحد. فالإنسان هذا يميل إلى الاستسلام لأنه يؤمن بأن كل ما يحدث في
العالم يأتي نتيجة للحتمية التي يؤمن بها، وهي حتمية ليس باستطاعته تغييرها. كما
أنه يميل إلى العدوانية لأنه على قناعة بأنه يملك الحقيقة دون غيره من البشر، ما يدفعه
إلى رفض كل فكر لا يتفق مع ايمانه. أما فيما يتعلق بالفكر والتفكير، فإنه لا يوجد عقائدي
متزمت يملك عقلا قادرا على التصرف بناء على إرادة ذاتية، فعقل كل عقادئي هو عقل مُبرمج
يتصرف بناء على ما لديه من أفكار ايمانية قام بتطويرها عقائديون ربما كان هدفهم هو
السيطرة على الناس وإرضاء الحاكم وليس الله او خدمة الإنسانية.
ولما كان عصر الإسلام
الذهبي قد انتهى منذ عشرة قرون، وأن كل ما جاء بشأنه في كتب التراث يميل إلى
المبالغة والتهويل، فإن كل دعوة لإحياء الماضي أصبحت دعوة لتشييد مستقبل في صورة تجربة
هلامية تعيش في مخيلة المؤمن وليس حقيقة يمكن رؤيتها وتقييمها؛ وهذا جعل من المستحيل
إعادة تشكيل تجربة لم تكن واقعا في يوم من الأيام. من ناحية ثانية، لما كان الفكر
الديني اكثر اهتماما بالحياة الآخرة من الحياة الدنيا، لأن الحياة الدنيا فانية
والحياة الآخرة أزلية، فإن هذا الفكر تمكن من كسب قلوب مئات الملايين من البشر من دون
أن يقدم لهم شيئا ماديا ملموسا. فالإسلام، كما يقول الفقهاء، يَعِدُ المؤمنين بكل
ما تشتهي نفوسهم في الآخرة، ولا شيء يذكر في الحياة الدنيا. وهذا أعفى فقهاء
الماضي والحاضر على السواء من مسؤولية ما حدث ويحدث للمسلمين في الحياة الدنيا من
كوارث ارتبكوا معظمها بخيارهم.
إن
كافة الايديولوجين، العرب والمسلمين وغيرهم، يرفضون المنطق
الذي يدعو إلى التغيير المتدرج، فالقوميون العرب والسلفيون لا يرضيهم شيئ سوى
الأهداف الكبرى التي تجسد رؤية فلسفية شمولية، دون أن يدركوا أن الأهداف الكبرى ترقد
مرتاحة منذ زمن في قبور تكاد آثارها أن تختفي من الوجود. كما أن إصرار هؤلاء على
تحقيق الاهداف القومية والدينية التي ينادون بها يأتي مقترنا بفشلهم في تطوير رؤية
عصرية تتعايش مع الزمن وتستفيد من انجازاته، وكأن الأهداف قدر يأتي من السماء وليس
برنامجا يحتاج إلى فكر وعمل وتضحيات كبيرة. وهذا يعني أن الرؤية التي تتبناها
الفئات القومية والسلفية لا تمثل عملية تحول تحتاج إلى عقود، وإنما هي عربة سحرية
تصل فجأة كي تحمل الجماهير من الواقع المتأزم إلى حلم الماضي خلال أيام او أسابيع.
وهذا يجعل النضال لتحقيق الرؤية المُتخيّلة عبارة عن طريق تقود إلى مكان ليس له
وجود، فيما تجعل الحياة قصة معاناة لا تنتهي ولا تستحق الحياة.
إن
الادعاء بأن تشييد المجتمع الإسلامي القديم كفيل وحده بتصحيح الأخطاء والتغلب على
مشاكل الحاضر هو إدعاء يتنافى مع منطق العقل والعلم والتاريخ والواقع؛ إذ يفترض
هذا الادعاء أن تحديات الحاضر هي نفس تحديات الماضي، وأن معطيات الحياة وقيم الناس
ومواقفهم لم تتغير عبر قرون. وتبعا لهذا الادعاء، تضمن العودة بالمجتمع إلى الماضي
إقامة مجتمع "الفضيلة"، وتوفير شروط دخول الجنة والتمتع بخيراتها. ولما
كان التاريخ لا يعيد تكرار نفسه ولو لساعة واحدة، فإن الوعد هذا تسبب في تحويل
معظم المؤمنين به إلى أشخاص يعيشون في عالم تسكنه الاوهام ويغيب عن سمائه المنطق
والعقل؛ ومع توارد الأيام والسنين دون تحقيق الحلم يتحول الاتباع تدريجيا إلى
متطرفين وربما إرهابيين، يَقتُلون ويُقتَلون من أجل اختصار الطريق والوصول إلى
الجنة الموعودة بسرعة. وفي الواقع، كلما طالت فترة انتظار وصول مجتمع الفضيلة كلما
زاد تطرف المؤمنين وتراجعت قدراتهم على التفكير العقلاني. وهذا يعني أن السبيل
الوحيد لمعالجة أزمة الفكر والواقع العربي تقتضي استثمار أكبر قدر ممكن من الموارد
البشرية والمالية والفنية في تطوير نظم التعليم وطرق التفكير والثقافات الشعبية والاقتصاديات
الوطنية في كل مكان.
بروفيسور
محمد ربيع
Monday, September 19, 2016
أزمة اللغة
إن هيمنة ايديولوجيات دينية وغير دينية على حياة غالبية المجتمعات
العربية، وتعرض البلاد العربية عامة لفعل تيار العولمة بشقيه الاقتصادي والثقافي
تسبب في تطعيم اللغة العربية بمفردات غريبة عن الثقافات الشعبية. ولقد تسبب هذا في
حرمان اللغة العربية من التطور لتعبر عن ظروف الحياة المتغيرة وما يعانيه الناس من
مشاكل ويتطلعون إليه من طموحات. ولما كانت اللغة هي طريقة في التفكير والتعبير
وأداة للتواصل بين البشر، فإن الفكر والمفكر العربي لم يعد قادراً على فهم واقع الحياة
وتحليله بعلمية، فيما لم تعد اللغة العربية قادرة على التعبير عن مشاعر الناس
بأمانة؛ وهذا جعل من الصعب أن يتواصل الناس بعفوية كما كان عليه الحال في الماضي
القريب. ولما كانت الحياة تتغير تبعا لتغير معطياتها ودرجة تأثرها بتيار العولمة
وعلوم الغرب، فإن العرب حُرموا من تطوير مفردات لغوية من صلب لغتهم في مقدورها تجميع
مختلف فئات المجتمع حول هموم وأهداف مشتركة.
نتيجة لهذا التطور، أصبح من السهل نشوب الخلافات بين
أبناء الوطن الواحد، فيما أصبح من الصعب حل الخلافات بطرق الحوار والتفاهم السلمية.
وهذا جعل اللجوء إلى القوة والسلاح هو السبيل شبه الوحيد لحسم الخلافات الدائرة بين
الطوائف والعشائر المختلفة والحركات الايديولوجية التي تتبنى أفكارا وقيما ومواقف
متباينة. لذلك يُلاحظ قيام الثرى باستغلال الفقير، واتجاه القوي إلى استعباد الضعيف،
ولجوء المسلح بايديولوجية إلى خداع الإنسان البسيط والتلاعب في مصيره، وانخراط
قادة الأقليات الدينية والثقافية المتطرفين في عمليات تزييف وعي أتباعها والتضحية
بهم والإثراء على حسابهم. ومع فقدان القدرة على التواصل مع الصديق والجار والتعبير
عن الذات بحرية ووضوح، فإن الشعوب العربية فقدت جزءاً كبيراً من إنسانيتها، ودخلت في
نفق معتم يخيم عليه الظلام، ويهيمن عليه الجشع، ويوجهه الخوف والتطرف، ويشيع فيه
الفساد، وتعُمه الفوضى.
إن الاندفاع الغريزي وراء
الأهواء في غياب المثل الأخلاقية والاعتبارات الإنسانية جعل معظم الناس يفقدون بوصلة
الابحار في بحر الظلام والأوهام والمخاوف. فالجار الذي نعرفه اليوم غير الجار الذي
عرفناه في الأمس القريب، والقيم الشائعة اليوم غير القيم التي كانت شائعة قبل
سنوات قليلة، وقيم الأمانة والوفاء والتعاطف مع الفقراء التي مكنت العرب من العيش قرونا
في أمان واطمئنان نسبي اختفت فجأة خلف سراب الكذب والجشع والغيرة والحسد والعداء
والكراهية.
البروفسور محمد
ربيع
Monday, July 13, 2015
Let the Sun shine
Let
the sun shine again
Sing
your favorite song
And
forget the agonies of pain
Enjoy
the magical touch of snow
As
it colors meadows of the plain
Recite
poetry and forget yesterday
No
need to eulogize years lost in vain
Let
us stay at home for a day
Listening
to the music of the rain
Awaken
the flowers in the wilderness
And
inspire the spirit and the brain
Hug,
kiss, sing, dance and play
Children
feeling free to be insane
Don’t
worry about missing a date
Trains
come and go, and come again
Dream
of places you love
So
the spirit of love is alive again
Let
us travel wherever love takes us
Even
the sunflower defies the rain
Let
the wintry sun shine again
Sail
gracefully through the clouds
Smiling
with eyes or a brain
Bewitch
birds to sing ancient melodies
Enchant
the sane and the insane
So
the joy of living is alive again
Songs
awaken the spirit of belonging
Take
us along the memory lane
Where
memories live in peace
And
love knows no fear or shame
Dreaming
of a monarch butterfly
As
the sun shines again, and again
Sunday, July 12, 2015
الدِّين
والثقافة
قام الدين، لا سيما قبل نشوء الدولة، وأثناء
فترات ضعفها وفقدان الثقة بها، بدور القانون المدني، ما جعله يسهم في تنظيم بعض
أوجه الحياة في المجتمع، ويساعد على الحدّ من الفقر والجريمة والظلم والانحراف.
ولما كانت أغلب الديانات تميل بطبيعتها وبحكم نشأتها إلى الادّعاء بأنها تقوم على
حقائق أزلية لا تتغير، وأن الحقائقَ المعنية من صُنع آلهةٍ عظيمة ذات قُدسية، فإن
القيم والمعتقدات الدينية والأفكار المنبثقة عنها أصبحت جوهرَ الثقافة، والخزانة
التي تحوي في داخلها الحقيقة الأزلية، علما بأنها حقيقة لا تقوم على علم او تجربة
عملية. ولمّا كانت الحقائق الإلهية ثابتة كما تدعي الديانات، فإنّ كل الثقافات ذات
الجوهر الديني أصبحت ضعيفةَ القدرة على التطور والتجاوب مع ما يستجد من أمور حياتية،
وهذا جعَل العلم والعقل يَدوران في فلك تفسيراتٍ دينية ومعتقدات غيبية غير قابلة
للتجربة العملية، ومنزهة بحكم أصولِها الإلهية، عن التحليل النقدي الخاضع لمنطق
العقل والعلم.
قامت الديانات في تفسيرها
لأسرار الكون والحياة بدعوة الإنسان إلى التأمل في الحياة وليس إلى التفكير الواعي
في معطيات الحياة، إلى تخيل أسرار الكون وليس إلى التجربة العملية والبحث العلمي
لاكتشاف قوانين الكون، إلى الخوف من الخطأ وليس إلى التعلم من الخطأ، وإلى
الاستسلام لِما بعد الحياة والعقل وليس إلى التمتع بالحياة والاعتماد أساساً على
العقل. وفي غَمْرة الاندفاع نحو الدين، تم خلط بعض المعتقدات الدينية والخرافات
والأساطير الشعبية والحقائق العلمية بعضها ببعض، لا سيما وأن الكثير من الأساطير
والخرافات كانت سائدة قبل ظهور الديانات. نتيجة لذلك، أصبح من الصعب، وأحياناً من
المحظور، قيام العلم بالبحث عن الحقيقة خارج أطر الأساطير الشعبية والمفاهيم
الغيبية التي تبنتها وروَّجت لها أغلبية الديانات القديمة وما انبثق عنها من أفكار،
ما جعل المعرفة الدينية والمعرفة العلمية تسيران في اتجاهين متباعدين غلب عليهما
طابع التناقض، وليس التوافق.
ومع
تجذر المعتقد الديني في المجتمع، وقيام الفكر الديني بدور العنصر المنظم للثقافة
الشعبية في عصر الزراعة، أصبح من الصعب على المجتمع الزراعي أن يشهد حدوثَ تطور
ثقافي أو علمي أو اجتماعي يقوم على الحيادية بعيداً عن العقائدية. كما أن هيمنة الفكر
الديني الغـيبي على المجتمع الزراعي التقليدي تسببت في تعطيل جهود العلماء
والمفكرين والفلاسفة والمُبدعين، وتضييق هامش الحرية في المجتمع، وبالتالي
الحيلولة دون قيام هؤلاء بطرح أفكار خلّاقة تقوم على المنطق، وتتحدى العقل الغيبي.
كما أصبحَ من المتعذر على العُلماء أيضاً الغوص في أعماق بحار معرفيةٍ قد تقودهم
إلى اكتشاف أسرار كونية أو حقائق حياتية تـتناقض مع مقولات دينية ومفاهيم خرافية
راسخة في الوجدان الشعبي. وقد ترتب على ذلك تعثر مسيرة المعرفة العلمية في كل
المجتمعات الدينية المحافظة، وتباطؤُ عملية التطور التكنولوجي والاقتصادي المؤسَّس
على العلم والتجربة، وكبْت الحريات العامة، وجمود الثقافة إلى حد بعيد. ولهذا عاش
المجتمع الزراعي في ظل هيمنة الفكر الديني على الثقافة والحياة نحو عشرة آلاف سنة
من دون تطور يُذكر. وفي الواقع، لا توجد أقليةٌ دينية متزمتة في أي مكان من
العالم، سواء كانت الأقلية المعنية يهودية أو مسيحية أو مسلمة أو بُوذية أو
هندوسية تتمتع بمستوى معيشي مرتفع، أو تقدم علمي مرموق، أو لديها القُدرة على
التفاعل مع العالم المحيط بها بطريقةٍ عقلانية.
Tuesday, December 10, 2013
الهوية والهوية القومية
الهوية والهوية
القومية
تعتقد
أغلبية الناس والمعنيين بقضية الهوية من المثقفين أن الهوية الجماعية هي جزء من
الثقافة الشعبية، وأن مصيرها مرتبط بمصير الثقافة، ما يستدعي الحفاظ على الثقافة
التقليدية بغض النظر عما تعانيه من تخلف وتشرذم. لكن هذا الاعتقاد خاطئ لأن هناك
شعوباً عديدة ذات ثقافات متشابهة لكنها ذات هويات جماعية مختلفة وأحيانا متناقضة.
هناك
ثلاثة مصادر رئيسية لكل هوية جماعية: أولاً، الشعور بالانتماء إلى عقيدة واحدة أو
وطن أو شعب واحد. ثانياً، الاعتزاز بشخصيات عامة تشكل رموزاً للجماعة بسبب مواقفها
وفكرها وتاريخها الذي قامت من خلاله بتجسييد مصلحة العقيدة أو الوطن أو الشعب المعني.
وثالثاً، الشعور بوحدة من ينتمي إلى العقيدة أو الوطن أو الشعب المعني من الناحية
الثقافية والموقف من الآخر، خاصة فيما يتعلق بالإرث الحضاري والشعور تجاه
المستقبل. وهذا يعني أن الهوية الجماعية لا تعني الإنتماء إلى أصل أو جنس أو عرق،
بل ترتكز على وحدة الثقافة وحب الوطن والشعور بأن التحديات المستقبلية واحدة
والمصير مشترك.
يعود
أصل كلمة "قومية" إلى تأسيس الدولة الحديثة في أوروبا إبان عصر النهضة،
حيث أطلق عليها اسم Nation State، أي
الدولة القومية، علماً بأن معظم الدول القومية الأوروبية كان فيها وما يزال أقليات
ثقافية ودينية ولغوية عدة. وهذا يعني أن كلمة "قومية" ليست لها دلالة
عرقية أو إثنية، بل دلالة جماعية تشمل المواطنين الذين أصبحوا، بحكم تواجدهم معاً
في وطن واحد وانتمائهم إليه، يشكلون شعباً واحداً، وذلك كما هو الحال في أمريكا
التي تتكون من عشرات الجماعات ذات الأصول والثقافات المختلفة.
جاءت
حركة القومية العربية أساساً كرد فعل على ممارسات الاستعمار الغربي وقيامه بتقسيم
الوطن العربي إلى دول ومشيخات تسيطر عليها قيادات ذات أهداف متناقضة لا تصب في
المصلحة الجماعية للعرب. ولما كانت الأقليات التي تعيش في الوطن العربي وتنتمي
إليه قد سبق وجود معظمها فيه وصول العرب إليه، وأن أغلبيتها تؤمن بالإسلام، فإن كل
أبناء هذه المنطقة اعتبروا الإسلام والمسيحية وغيرها من ديانات أجزاء أساسية من
مكونات الثقافة العربية والهوية القومية. لكن تدخل القوى الاستعمارية في الشؤون
العربية، وقيامها بالعمل على تمزيق الوحدة الثقافية والوجدانية للعرب بهدف السيطرة
عليهم واستغلال مواردهم من ناحية، ونجاح الغرب في تأطير قوى الإسلام السياسي
وتوظيفها في حربهم ضد القوى الماركسية في أفغانستان من ناحية ثانية أدى إلى إضعاف
الهوية القومية العربية. ومع توجه قوى الإسلام السياسي إلى المطالبة بعودة دولة
الخلافة الإسلامية، فإن تلك القوى تحولت إلى قوى مناوئة للقوى العلمانية العربية التي
نادت بوحدة قومية عربية ورفض الاستعمار.
من
جهة أخرى، تسبب فشل الدولة العربية عامة في تحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة
الاجتماعية والحرية لكافة المواطين، ولجوئها أحياناً إلى التفرقة ضد بعضهم في دفع
بعض الأقليات، وحتى القبائل والعشائر التي تشكل أهم مكونات الأمة العربية، إلى
البحث عن هويات فرعية تقوم على الإثنية والدين والطائفية والعشائرية والثقافة.
وهكذا تم تفتيت الشعب الواحد إلى أقليات وأغلبيات يغلب عليها طابع التنافر وليس التآلف،
وتسعى إلى التجزئة والانفصال وليس إلى الوحدة والتكامل، ما أدى إلى تخلف العرب
وضعفهم ودخول الهوية القومية في أزمة طاحنة.
في
آخر محاضرة ألقيتها في المغرب في شهر أكتوبر 2013، قلت للطلبة إن من يؤمن من البشر
بفكرة الخلق التي تقول بها معظم الأديان، وكذلك من يؤمن بفكرة التطور التي جاء بها
داروين يعلم تماماً أن أصل كافة البشر واحد. إذ فيما تقول المعتقدات الدينية أن
آدم وحوا هما أب وأم البشر جميعا، تقول نطرية التطور أن جميع البشر هم من نسل حيوانات
تشبه القردة عاشت في القارة الإفريقية. لكن تعرض غالبية سكان إفريقيا لحرارة الشمس
بشكل شبه متواصل أدى إلى تحول بشرتهم عبر ملايين السنين إلى السواد، فيما أدى
احتجاب الشمس غالباً عن أماكن مثل شمال أوروبا إلى تحول بشرة السكان هناك إلى
اللون الأبيض. أما من عاش في مناطق تتصف باعتدال حرارة الشمس وتتابع فصول السنة الأربعة
مثل سكان حوض البحر الأبيض المتوسط، فإن بشرتهم تحولت إلى لون قمحي يقع بين الأسود
والأبيض. وهذا يعني أنه ليس هناك أقليات وأكثريات عرقية أو إثنية، بل هناك تعدد بشري
ثقافي ولغوي يكون في مجموعه سكان الكرة الأرضية التي تضمنا جميعا وتشكل إنسانيتنا.
محمد
ربيع
Wednesday, December 4, 2013
العرب والحقيقة
العرب
والحقيقة
هناك
من الناس من يقول الحقيقة، وهناك من يعمل على تشويه الحقيقة، وهناك من يختلق أشياء
يدعي بأنها تجسد الحقيقة. لكن الحقيقة هي في كل هذا وذاك، وليست في هذا أو ذاك،
لأنه لا توجد حقيقة مطلقة تجمع عليها كافة الشعوب أو حتى أغلبية العلماء والمفكرين.
وفي الواقع، لا يوجد إنسان في العالم بإمكانه معرفة الحقيقة، لأننا لا نعرف تماما
ماذا نعني حين نتكلم عن "الحقيقة". مع ذلك، تدعي معظم الديانات السماوية
وغير السماوية أنها تملك الحقيقة دون سواها من فلسفات وعقائد، ما يجعلها تسهم بوعي
ومن دون وعي في صنع حقيقة قد لا تمت إلى الحقيقة التي تعنينا بصلة.
إن
على الإنسان الذي يسعى إلى معرفة الحقيقة أن يقوم بمراجعة تجربة الحياة الماضوية،
الفردية والجماعية، وتقييم ما لها وما عليها بحياد وموضوعية. وهذا يفرض عليه أن ينظر
إلى الخلف وأن يقوم بدراسة التاريخ والغوص في أعماقه والعبث في مياهه. لكن كي يعيش
الإنسان حياته ويتعرف على ما فيها من حقائق ومعطيات، عليه أن ينظر إلى الأمام كي يستطلع
آفاق المستقبل، ويستشف ما يحمل بين طياته من احتمالات ومفاجآت سارة وغير سارة.
إن
تركيز العرب على التاريخ، والنظر إلى التراث من منظور إيديولوجي يدعي ملكية
الحقيقة جعلهم عاجزين عن مراجعة تجربة الحياة الماضوية وتقييم ما لها وما عليها. كما
أن إنشغال العرب في قضايا التراث الفكرية والعقائدية جعلهم عاجزين عن العيش تجربة
إنسانية عادية كغيرهم من شعوب العالم. ولما كان التاريخ العربي قد صنعته الحروب
والصراعات الإثنية والطائفية والقبلية أكثر من أي شيء آخر، فإن المؤرخين العرب
قاموا بتزييف ذلك التاريخ، ما جعل العرب يبتعدون عن الحقيقة كثيرا، ويقفون عاجزين عن
فهم الحاضر والمستقبل على السواء. وهذا جعل العرب غير راضين عن الحاضر، وعاجزين عن
فهم المستقبل، وغير واثقين من أنفسهم ومن أن بإمكانهم الإسهام في صنع المستقبل ومواجهة
ما يحمله بين طياته من تحديات. لهذا يعيش العرب اليوم في دوامة من الصراع مع
الذات، غير قادرين على تحقيق الحد الأدنى من الوحدة الفكرية أو الثقافية أو السياسية
أو الأمنية، تابعين لغيرهم من دول معادية تعمل جاهدة على تكريس فرقتهم وتخلفهم
وضياعهم وتجزئة بلادهم واستغلال مواردهم.
محمد ربيع
Friday, October 11, 2013
ذكريات تأبى النسيان: مقتطفات من كتاب الشتاب: اغتيال الطفولة
اغتيال الطفولة
بعد
صدور قرار التقسيم في الثاني من نوفمبر 1947 أخذت العصابات اليهودية تكثف هجماتها
على المدن والقرى الفلسطينية بهدف إرهاب العرب ودفعهم على الرحيل من مدنهم وقراهم.
كما اتجهت أيضا إلى الاعتداء على القوات البريطانية بهدف تسريع عملية رحيلها عن
فلسطين. إذ مع قيام بريطانيا باتخاذ قرار بالرحيل، إلا أن قواتها انسحبت على مراحل
من أجل الحيلولة دون وقوع مجازر ضد العرب تتحمل بريطانيا مسئوليتها الأخلاقية أمام
العالم، ومن أجل تسليم المناطق التي خصصها قرار التقسيم لليهود سلمياً بقدر
الإمكان. أما الحركة الصهيونية فكانت تخشى وصول الجيوش العربية للدفاع عن فلسطين
ما قد يتسبب في حرمانها من تحقيق أهدافها المرسومة وزيادة خسائرها في الأموال
والأرواح.
قبل نهاية عام 1947 كانت يازور قد أصبحت هدفاً
رئيسياً لهجمات العصابات اليهودية، إذ أصبح العدوان يتكرر بشكل يومي تقريياً. وفي
أوائل شهر ديسمبر من ذلك العام شنت تلك العصابات هجوماً واسعاً على أحد مقاهي
القرية تسبب في وقوع عدة ضحايا بين قتيل وجريح. ولكن لم تمضِ أيام قليلة حتى
انتقمت يازور لأبنائها بقتل سبعة جنود من اليهود كانوا قد دأبوا على استفزاز
القرية وإدخال الرعب إلى قلوب أطفالها، حيث كانوا يقومون باختراق القرية في رابعة
النهار في سيارة مدججة بالسلاح كل بضعة أيام وإطلاق النار بكثافة في كل اتجاه. ففي
يوم 22 ديسمبر 1947، قام بعض شباب يازور، يساعدهم شاب ألماني متعاطف، بإعداد عبوة
ناسفة وضعوها على جانب الطريق الدولي، وذلك استعداداً لمرور سيارة الجنود اليهود.
وحين مرت السيارة بالقرب من العبوة الناسفة، سارع الشباب إلى تفجيرها عن بعد
باستخدام سلك ربطوه في بطارية سيارة عادية ومرروه تحت الأرض. وحال وقوع الانفجار،
اشتعلت النيران في سيارة الحراس وسقطوا جميعاً على الأرض بين قتيل وجريج هرب بعضهم
إلى داخل البيارة المجاورة. وما أن دخلوا البيارة حتى استقبلهم بعض شباب القرية بالسلاح
حيث قاموا بملاحقتهم وقتلهم جميعاً ودفنهم.
في
أعقاب تلك الحادثة، أصدر "إيغال يادين" قائد عمليات "الهاجاناه"
أمراً إلى إيغال ألون قائد وحدة "البالماخ" بمعاقبة يازور بقسوة... كانت
البالماخ عصابة إرهابية خاصة تعمل ضمن إطار قوات الهاجاناه. ومما جاء في ذلك
الأمر: "عليك
القيام بأسرع وقت ممكن بعملية ضد يازور، بهدف إزعاج القرية فترة طويلة، عن طريق
القيام بعمليات تسلل إلى داخلها وإحراق عدد من
المنازل". بعد ساعتين من الأوامر، قامت
مجموعة تابعة لـعصابة البالماخ بشن هجوم على سيارة باص بالقرب من مدخل يازور
الشرقي تسبب في جرح السائق وعدد من الركاب، وقامت مجموعة أخرى بالاعتداء على حافلة
على مدخل يازور الغربي من جهة يافا. استمرت هجمات العصابات اليهودية على القرية
وعلى السيارات العربية المتجهة منها وإليها عشرين
يوماً وليلة على التوالي دون توقف، قامت المعتدون خلالها بتفجير العبوات الناسفة بالقرب من عديد المنازل في أطراف القرية، تسببت في هروب غالبية
سكانها واللجوء إلى البلدة القديمة.
وفي
يوم 22/ 1/1948، بعد مرور شهر كامل على مقتل الجنود السبعة، قامت قوات الهاجاناه
بعملية واسعة ضد يازور، اشتملت على نسف مصنع الثلج والكحول وبنايتين مجاورتين لهما،
ومهاجمة بعض البيوت الواقعة في أطراف البلدة. أسندت قيادة الهاجاناه مهمة التخطيط
لإسحاق رابين، ضابط عمليات التخطيط العسكري وشارك في تنفيذ العملية أكثر من مجموعة
إرهابية. تقرر البدء في الهجوم مع بزوغ فجر ذلك اليوم الشتوي الممطر بانطلاق
القوات الغازية عبر بيارات البرتقال من الشمال والغرب والجنوب، حيث قامت بنسف مصنعي
الثلج والكحول الواقعين في طرف القرية على حدود يافا، ومهاجمة بعض المنازل المجاورة
وتدميرها، ما حول تلك العملية إلى مجزرة أسفر عنها قتل عدة أشخاص من بينهم حراس
المصنعين. وفي تلك الليلة بالذات، وضمن حملة إرهاب يازور وسكانها، نجح الإرهاب
اليهودي في تهجير عشرات العائلات من سكان البيارات الواقعة على أطراف البلدة، كانت
أسرتنا واحدة منها، حيث قام المجرمون باغتيال طفولتنا، ووأد أحلامنا، ومصادرة
أملاكنا ومهد ذكرياتنا، وإجبارنا على مغادرة بيتنا وبيارتنا والافتراق عنهما إلى
الأبد.فيما
كنا نغط في نوم عميق في بيتنا الوديع الذي تحتضنه أشجار البرتقال من كل جانب،
صحونا على صوت انفجار مخيف، ورأينا ناراً يتصاعد لهيبها من بيت أحد أقربائنا يقع
على بعد 500 متر تقريباً من بيتنا. وفي ضوء الاعتداءات اليهودية المتواصلة ظن
والدي أن من الممكن أن يكون بيتنا مُستهدفا أيضاً، وأن العصابات الإرهابية ربما
كانت في طريقها إلينا. لذا سارع إلى لف كل واحد من أبنائه وبناته باللحاف الذي كان
يغطيه، والمصنوع من الصوف المبطن بقماش قطن ناصع البياض، وركض به نحو البيارة.
وهناك رمى الطفل في الوحل تحت شجرة برتقال تبعد عشرات الأمتار عن البيت، وتركه
وحيداً يرتعد من الخوف والبرد وتساقط الأمطار. كان الجو في تلك الليلة ممطراً وكان
المطر غزيراً جداً، وكان البرد قارصاً والليل حالك السواد، ربما كانت تلك الليلة
أسوأ ليلة في تاريخ الإنسانية بالنسبة لطفل بلا ملابس دافئة، وبلا حذاء، وبلا
غطاء، وبلا قدرة على رؤية أي شيء، وبلا مكان يهرب إليه أو يحتمي به، وبلا شعور
إنساني سوى رهبة مرعبة وخوف مميت. وفي الواقع، لم تحتفظ مخيلتي بليلة أكثر سواداً
وأغزر مطراً وأشد برودة وأكثر خوفاً من تلك الليلة. وحتى يضمن الوالد نجاة بعض
أولاده وبناته من الموت في حالة تعرضهم لقنبلة أو نيران رشاشات، قام بوضع كل واحد
منهم تحت شجرة تبعد عدة أمتار عن أقرب شجرة يرقد تحتها طفل آخر. وبعد أن أكمل
مهمته، بدأ والوالدة يتنقلان من شجرة لأخرى، يربتان على رؤوسنا، يتمتمان بالدعوات
لنا، ويًتْلون بعض آيات القرآن كأنهم يقرؤونها على رأس ميت، ويقبلوننا قبلة ظنوا
أنها ربما كانت قبلة الوداع الأخيرة. كنت ارتجف من البرد والخوف والعتمة حتى كاد
قلبي يتوقف عن النبض، ويغفو غفوته الأخيرة من دون أن يكون باستطاعتي أن أبكي أو
أنطق بكلمة واحدة، حتى التنفس حاولت أن أكتمه كي لا يسمع الإرهابيون همساته
الضعيفة. كان سواد الليل وعنفوان المطر وصوت الأشجار تهزها الرياح تتراءى لي
كأشباح مخيفة جاءت لتحملني إلى الجحيم، وتلقي بجثتي في نار جهنم.مضت
ساعة من الوقت تقريباً دون أن نسمع صوت انفجار أو إطلاق نار، كانت بعمر الزمن
وقسوة تاريخ الظلم. نهض بعدها والدي، جمعنا بعيداً عن البيت بعشرات الأمتار،
وأخبرنا بأنه قرر الذهاب إلى بيت أولاد عمه في البلدة القديمة. سرنا ممسكين بأيدي
بعضنا البعض، نرتعد من الخوف والبرد، حفاة شبه عراة، يقرص البرد أقدامنا ووجوهنا،
ويثقل الطين والمطر ومستنقعات الوحل خطواتنا، وتلون العتمة عيوننا التي ظننا أنها فقدت
قدرتها على الرؤية. لم يجرؤ الوالد على العودة إلى بيته الذي بناه بيديه وقضى سنين
من عمره في تزيينه وزراعة الورود من حوله، وذلك خوفاً من ان يكون الإرهابيون قد اقتحموه وجلسوا فيه في
انتظار عودتنا كي يقتلونا بعد أن اغتالوا الحلم في رؤوسنا والطمأنينة في قلوبنا
والأمل في عيوننا. لم نحمل شيئاً من ملابسنا أو ممتلكاتنا الشخصية بالطبع، حتى
الألحفة التي كانت تغطي أجسادنا تركناها خلفنا، لأنها كانت مثقلة بالوحل والطين
بحيث لم يكن بالإمكان حملها، ولم يعد بإمكانها وقايتنا من البرد. وهكذا تسببت
أحداث تلك الليلة في قطع علاقتنا ببيتنا وبيارتنا وكل ما كان في البيت من أشياء
ووثائق ومجوهرات ومال، لكنها تركت لنا حب الوطن وذكريات تأبى النسيان.
Wednesday, October 9, 2013
غرباء
غرباء
احملْ ظنونك وارحلْ اليوم
عني
لم تكنْ يوماً أنت
مني
حَيرتَ عقلي
عَذبتَ قلبي
عذبتَ روحي
أثخنتْ حُبي بالجراح
وكدتَ أن تسرقَ العمرَ
مني
لم أرَ الفرحَ في
عينيك يوماً
لم أرَ الحزن في
عينيك يوماً
لم أستشعرَ الحبَ في
قلبك يوماً
لم أعرف الحلم بجوارك
يوماً
جحيمٌ أنت لا يعرفُ
غير التجني
احملْ جُنونك وارحلْ اليوم
عني
لم أكنْ أنا منكَ
يوماً
ولم تكنْ يوماً أنتَ
مني
محمد ربيع
Sunday, September 29, 2013
بين الإرادة والتبعية
بين الإرادة والتبعية
ينمو العقل الإنساني ويتطور من خلال التفاعل مع مكونات البيئة التي يعيش الإنسان فيها وينشط من
خلالها، وهي بيئة تشمل عناصر طبيعية واجتماعية وأخرى تكنولوجية. إذ يجد كل إنسان
نفسه كل ساعة تقريباً أمام خيارات متعددة تجبره على القيام بدراسة كل منها وتقييم
أهميتها، وتحليل أبعادها وتبعاتها المحتملة على حياته ومستقبله وما يسعى إلى تحقيقه
من أهداف. وفي ضوء ما يتوصل إليه من نتائج، يختار الإنسان الأنسب أو الأفضل أو
الأقل خسارة أو تكلفة من الخيارات المتاحة. وحين يخطئ الإنسان في الاختيار، يتعلم من
أخطائه، إذ يقوم العقل بتعديل طريقة دراسته وتقييمه للخيارات المتاحة، ما يُضعف احتمالات
الخطأ ويقوي احتمالات النجاح في المستقبل. ومع تتابع التجارب الإنسانية وتجدد
التحديات الحياتية، تتراكم المعارف لدى الإنسان، ويصبح بإمكانه الحكم على بعض
الخيارات بسهولة وبسرعة، وذلك بسبب تكررها أو تشابهها مع غيرها من حالات سابقة...
وهكذا يتطور العقل من خلال الصواب والخطأ والتدرب على التفكير ومواجهة التحديات.
Wednesday, September 18, 2013
الحمار والإنسان
الحمار والإنسان
هذه قصة طريفة وصلتني معظم تفاصيلها على الإنترنيت، قمت بإجراء تعديلات عليها وإعادة صياغتها وإضافة تفاصيل جديدة كي تعبر بشكل أفضل عن مشاعري ومشاعر غيري من الناس الذين يرون الإنسان والحمار من زاوية مشابهة... وهنا لا بد أن أعترف بأنني من المعجبين بشخصة الحمار وسلوكه ومواقفه. لذلك تركته يلعب دوراً رئيسا في روايتي "هروب في عين الشمس"، وكتبت عنه قصيدة بعنوان "الحمار الحليم"، بإمكان القارئ أن يطلع على كل من الرواية والقصيدة على موقعنا المذكور أدناه.
كان يا مكان في حديث الزمان
مجموعة من الحمير في دولة عربية
تعمل بإخلاص وتفكر بهدوء وروية
تنام الليل مرتاحة الضمير
دون فرشة قش أو حصير
قرر حمار صغير ذات يوم أن يضرب عن
الطعام
ضعف جسده وتهدّلت أذناه من الوهن
كاد أن يموت من الجوع ويطويه الزمن
أدرك أباه ان صحة ابنه تتدهور كل يوم
أراد أن يفهم السبب حتى لا يقع في اللوم
زار الأب الإبن في الليل على انفراد
يستطلع حالته الصحية المتدهورة باطراد
ما بك يا بني.. ماذا تُعاني؟
هل تحتاج لدواء مُستعجل أو مُداوي؟
أخبرني لماذا تُضرب عن الطعام
أخبرني لماذا تُضرب عن الطعام
هل أزعجك رجل، إمرأة، أو غلام؟
رفع الحمار الأبن رأسه عاليا وقال
رفع الحمار الأبن رأسه عاليا وقال
إنني مستاء يا أبي من حالنا بين البشر
يوجهون لنا الإهانات كزخات المطر
يسخرون منا نحن معشر الحمير
يسخرون منا نحن معشر الحمير
نخدمهم ليل نهار ولا نسأل حتى عن شعير
نسوا أننا مخلوقات تسحق الاحترام
والتقدير
كأن الخائن منهم أمير، والمخلص منا
حقير
لا أفهم يا بني ماذا تقول
دع عنك هذا الكلام وهذا الشعور
لا أنت تعرف ولا أنا من هو المسئول
آن الأوان لحرث الأرض وتسميد الحقول
علينا أن نستعد قبل أن تشتد حرارة
الصيف
ومتعة العمل في المزارع الخضراء تزول
تمهل يا أبي قليلا
ألا تسمعهم كلما ارتكب أحدهم حماقة قالوا
له يا حمار
كأن الغباء في دمنا، عقيدة لنا وشعار
إننا نعرف معنى الحياة، وكيف يكون
الوفاء
نتألم، نبكي، نصرخ.. نعيش ونموت
بكبرياء
لنا مشاعر صامة، شموخ، عزة، وإباء
نفكر، نقتفي الأثر، ونعرف كل طريق
نجوب الصحاري من أجلهم بلا دليل أو رفيق
ارتبك الحمار الأب أمام تساؤلات حمار صغير
حرّك أذنيه يُمنة ويٍسرة... استلهم من
الطبيعة حكمة كون كبير
اقترب من ابنه يحاوره بمنطق الشرفاء معشر
الحمير
البشر يا بني خلقهم الله وفضّلهم على سائر المخلوقات
تعاملوا مع أنفسهم ومع الغير بقسوة
فعاشوا العمر عثرات
أساؤوا لأنفسهم قبل أن يتوجهوا لنا بالإساءة
والإهانات
دعني أسألك يا بني سؤالا صغير:
هل رأيت حمارا يسرق مال اخيه؟
هل رأيت حمارا يعتدي على طعام غيره من الحمير؟
هل رأيت حمارا يشتكي على أحد من أبناء جنسه؟
هل رأيت حمارا يشتم أخيه الحمار؟
هل رأيت حمارا يعتدي على طعام غيره من الحمير؟
هل رأيت حمارا يشتكي على أحد من أبناء جنسه؟
هل رأيت حمارا يشتم أخيه الحمار؟
هل رأيت حمارا يضرب زوجته أو أولاده؟
هل رأيت حمارا يدخن سيجارة، أو حمارة تدخن أرجيلة؟
هل رأيت حمارا يدخن سيجارة، أو حمارة تدخن أرجيلة؟
هل سمعت أن حمير الأمريكان يخططون
لقتل حمير العرب؟
هل رأيت حمير اليهود يعذبون حمير العرب؟
هل سمعت حمير بريطانيا وفرنسا يستهزؤون
بحمير العرب؟
طبعا لم تسمع بهذه الجرائم ولم ترها أبدا
طبعا لم تسمع بهذه الجرائم ولم ترها أبدا
هذه جرائم ليست من طبع الحمير
بل من طبع بشر لا يحسنون التفكير
ويسيئون التفسير والتأويل والتدبير
عليك يا بني أن لا تنخدع بالعقل
البشري
بل عليك أن تفكر بعقلك الحميري
إرفع رأسك عاليا لترفع رأس بني الحمير
لا تهتم بما يقوله كبير البشر أو الصغير
الفقير والثري والعبد والأمير
عاهدني أن تبقى كما خلقت وفيا صبورا
تعيش العمر حمارا ابن حمار
تتصرف بشهامة وعزة ووقار
يكفينا فخرا أننا لا نقتل ولا نسرق ولا
ننافق
لا نعتدي على بعضنا البعض، ولا يغتاب
أحدنا الآخر
نحب لا نكره، نصدق لا نكذب، نشقى لا
نتذمر
صدقت يا أبي، قال الحمار الصغير.
سآكل الشعير وأنام بلا حصير
سعيداً برزقي قليلا كان أم كثير
سأحافظ على موقعي في سلم المخلوقات
حمار يحترم نفسه ويقدر سائر الكائنات
سأترك الإنسان ابن الإنسان
يعيش حياته طاغية يُمارس العدوان
لا يُؤتمن على شيء
ولا يدرك معنى الأمان
أمام الفأر قط شجاع
وأمام القط فأر جبان.
Sunday, September 8, 2013
مقتطفات من ذكريات تأبى النسيان: بدايات الاستعمار في فلسطين
بدايات الاستعمار
اخبرني
الصديق العزيز لودفيج وهبي تماري، أحد أبناء مدينة يافا، وربما أكثرهم عشقاً لها،
أن منطقة تل الريش الواقعة في طرف يافا كان اسمها حتى بدايات القرن العشرين تل
الروس. ويعود سبب تلك التسمية إلى واقعة قطع رؤوس حوالي 2000 شخص ودفنها في ذلك
المكان... أشخاص جمع نابليون معظمهم واحتجزهم كأسرى ورهائن في طريقه من مصر إلى
عكا بعد غزو مصر والاستيلاء عليها في أواخر القرن الثامن عشر. وبسبب تفشي مرض
الطاعون بين رجاله، فإن نابليون قام بعزل المصابين والرهائن في منطقة نائية على
أطراف يافا، حيث تركهم هناك فريسة للجوع والمرض والإهمال، وسار في طريقه إلى عكا
بهدف الاستيلاء عليها. وفي أعقاب فشل جيشه في اقتحام تلك المدينة عام 1799، أصدر
الإمبراطور الفرنسي أوامره في طريق العودة إلى مصر بقتل المحتجزين في يافا وقطع
رؤوسهم وحرق جثثهم، حيث تم تنفيذ الجريمة على رأس هضبة مشرفة على البحر. لذلك
اكتسبت تلك الهضبة اسم تل الروس، ومن ثم تحول اسمها إلى تل الريش حين بدأ سكان
يافا باستيطانها. ولقد بقيت آثار الجريمة مخفية حتى قيام أهل يافا بالتوسع في
اتجاه تلك الهضبة في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، وتحويل معظم أراضيها إلى
بساتين برتقال وحمضيات... إذ من خلال أعمال التشجير وحفر قنوات الري والآبار
الارتوازية، عثر العمال على عشرات الرؤوس المقطوعة في بيارة تماري، وعلى المئات
غيرها في بيارات أخرى مجاورة. وتشير المعلومات الشفوية إلى أن الضحايا كانوا
خليطاً عجيباً من الناس، الأغلبية كانت من الأتراك، والباقي كانوا من المصريين
والسودانيين والأفارقة والفلسطينيين والمرتزقة الأوروبيين الذين حاربوا في صفوف
جيش نابليون.
يبدو
أن هزيمة نابليون أمام أسوار عكا، ومروره عبر سيناء في طريقه عائداً إلى مصر
أقنعته بأن لفلسطين أهمية استراتيجية. وهذا جعله يقترح على يهود أوروبا إقامة دولة
لهم في فلسطين تكون حليفة لفرنسا، وتقديم الوعود لهم بمساعدة الإمبراطورية
الفرنسية. كان هدف نابليون الأساسي احتواء النفوذ البريطاني في تلك المنطقة عبر
إقامة كيان غريب عنها متحالف مع فرنسا. وبذلك يكون نابليون قد استبق قيام الحركة
الصهيونية بحوالي 100 عام، وحدد معالم الاطماع الاستعمارية وأهدافها الرئيسية في
المنطقة العربية.
في
عام 1840، تبنى البريطانيون فكرة نابليون وقاموا بالاتصال بالسلطان العثماني، حيث
طلبوا منه السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين. ومع أن السلطان رفض ذلك الطلب، إلا
أن الحكومة البريطانية قامت بتشجيع أثرياء اليهود على تمويل عمليات بناء مستوطنات
يهودية في فلسطين. ومع افتتاح قناة السويس للملاحة عام 1862، أدركت بريطانيا أهمية
ذلك المجرى المائي، وحاجتها الاستراتيجية للسيطرة على القناة من أجل التحكم في طرق
التجارة الدولية. نتيجة لذلك، اندفعت بقوة نحو دعم الهجرة اليهودية إلى فلسطين،
وتمهيد الطريق لإقامة كيان يهودي عنصري في تلك البلاد يكون متحالفاً معها ومعادياً
لسكان المنطقة من العرب. وكما جاء في عديد الوثائق والكتب، كان هدف بريطانيا هو
الهيمنة على قناة السويس والحيلولة دون قيام وحدة عربية تجمع عرب إفريقيا مع عرب
آسيا في دولة واحدة. ولقد تتوجتْ جهود بريطانيا والحركة الصهيونية بالنجاح بعد
استيلاء بريطانيا على فلسطين عام 1917، وهو العام الذي شهد صدور "وعد
بلفور" الذي تعهدت بريطانيا بموجبه بمساعدة يهود أوروبا الذين أنشئوا الحركة
الصهيونية عام 1897 على إقامة وطن قومي لهم في فلسطين.
وتشير
الوثائق التي كُشف النقاب عنها حديثاً إلى عمق الالتزام البريطاني بتحقيق ذلك
الهدف، ومدى الدعم السياسي والمادي والعسكري الذي قدمته تلك الدولة الاستعمارية
للحركة الصهيونية من أجل تمكينها من إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وإلى سكوت
قوات الاحتلال البريطاني على جرائم التطهير العرقي التي ارتكبتها المنظمات
الإرهابية اليهودية خلال عامي 1947 و 1948. ومع أنه مضى على إقامة إسرائيل 65
عاماً، وعلى الرغم من تحول قطاع كبير من الرأي العام البريطاني إلى جانب
الفلسطينيين، وقيام العديد من المؤرخين والمثقفين بالاعتراف بجريمة بلادهم وكشف
حقيقتها وإدانتها، إلا أن كل نخبة حاكمة بريطانية تورث العنصرية والكراهية لكل جيل
يأتي بعدها كي لا يتراجع عن دعم إسرائيل، ولا يتوقف عن كراهية العرب والعمل على تقويض
محاولات التحرر والتنمية والوحدة في وطنهم.
حين
وقعت الحرب العالمية الأولى كان "محمود القنيري"، خال الوالد، ضابطاً
برتبة عالية في الجيش التركي. وحين هُزمت تركيا وتفرق جيشها، أطلق القنيري سراح
جنوده، وبدأ رحلة العودة من اليمن إلى وطنه فلسطين ليصل يازور بعد أن كان جيش
الاحتلال البريطاني قد دخل فلسطين وسيطر عليها. اعتبر الناس نجاح القنيري في
الوصول إلى فلسطين بعد أشهر من السفر من اليمن عبر السعودية والأردن على ظهر حصانه
وبندقيته على كتفه معجزة. لقد قطع محمود القنيري تلك البلاد بجبالها وسهولها
وصحاريها من دون أن تصادفه قوات معادية، ومن دون أن تعترض طريقه عصابة. لكن تلك
"المعجزة" كانت تعكس حال العرب في تلك الأيام، التعاطف مع بعضهم البعض،
ومد يد العون لكل غريب، وحماية أبنائهم من غدر الأعداء وقطاع الطرق... كانت
أخلاقيات التعاطف، ووحدة الدين واللغة، وتشابه العادات والتقاليد عوامل ثقافية
مشتركة وحدت العرب وجمعتهم معاً في الماضي، فيما جاءت أخلاقيات السياسة والجشع
وعبادة المال والسلطة لتفرقهم في الحاضر.
وفي
الواقع، وحتى عام 1939 لم تكن هناك حدود سياسية بين البلاد العربية بالمعنى
المتعارف عليه اليوم، لذلك كان العربي يقطع بلاد العرب من موريتانيا إلى عُمان من
دون إذن مسبق أو جواز سفر. كما كان المسافر أو الرحالة يجد دوماً من يستقبله
بالترحاب ويدعوه إلى الإقامة في بلده ويتخذه صديقاً أو أخاً، ما جعل مئات العائلات
المهاجرة تسكن في معظم المدن وحتى القرى العربية البعيدة والقريبة.
كان
من حسن تخطيط محمود القنيري أنه مر على يازور قبل أن يواصل طريق العودة إلى قرية
الشيخ مونس. وحين وصل يازور استقبله جدي وجدتي ووالدي الذي كان صبياً، بالفرح
والترحاب. أخذوا منه الحصان والبندقية وأخفوها بعيداً عن الأنظار وعن عيون الجيش
البريطاني الذي كان يتصيد أمثاله من الضباط ويعدمهم على الفور، وأحضروا له لباساً مدنياً
بدلاً من زيه العسكري، واستضافوه بضعة أيام قبل مرافقته إلى الشيخ مونس مروراً
بأطراف يافا وتل أبيب التي كانت تعج بالجنود البريطانيين. قطع محمود القنيري أراضي
السعودية والأردن وفلسطين دون أن يعلم أن فلسطين وقعت في يد البريطانيين الذين
جاؤوها أعداء مُحتلين مُستعمرين متواطئين مع الصهاينة. كانت الحكومة البريطانية
حينئذ قد أصدرت وعد بلفور، ونذرت نفسها لاستخدام قوتها العسكرية ومكانتها الدولية
لإقامة كيان يهودي معاد للعرب على أرض فلسطين يكون بمثابة حاجز جغرافي يحول دون
تواصل الشعوب العربية التي تعيش في افريقيا مع الشعوب العربية التي تعيش في آسيا، وأداة
عسكرية توظفها لتكريس التجزئة السياسية على الأرض العربية وحرمان العرب من الوحدة
والتحرر والنهضة.
Subscribe to:
Posts (Atom)
